ـ كأنما كانوا ينتظرون على أحر من الجمر آخر يوم من بلوغي ستين سنة، كنت ضيفاً ثقيلا على ما يبدو !!
أردت أن أُخرجه من حالة الغضب التي كان فيها، فقلت مازحا:
ـ هل تذكر يوم كنت تُقِلُّ بسيارتك رئيس المرفق فَتَوقّفَت لعدم كفاية الوقود، وأمطرك بوابل من السّباب، ثُمَّ اختفى في سيارة أخرى. منذ ذلك اليوم وأنت تملأ الخزان بالوقود كي لا يمتحنك مرة أخرى وتقع في الخطإ نفسه !!
ـ نعم أذكر، في ذلك الوقت صدر منشور وزاري يمنع زملاءنا من استعمال الحافلة حفاظا على وقار وهيبة المهنة، مما جعل البعض، مضطرا، يمشي على الأقدام عدة كِيلُومِتْراتٍ، وهناك من استعمل الدراجة النارية، أمّا السيارة التي كانت بحوزتي، فلربما كانت آخِر ما بقي من الزمن البعيد! مرّ الوقت سريعاً وتغيرت الأحوال !!
ـ اسمع، الحقائق واضحة لا غبار عليها، وقد علّق وزير عدل سابق لمّا انبهر بحفل بهيج أقامه إطار يعمل تحت إمْرَتِهِ قائلا: أنا وزير للعدل ومحام وتوليت مهام سامية متعددة ولا أستطيع أن أملك مثل هذا القصر المنيف، ولا أن أكون سخيا إلى هذا الحد!!
تغيرت نبرة صوت صاحبي وقال:
ـ إذا كان الأمر واضحا كما تقول، ولا يحتاج إلى تعبئة استمارة ما، فأين العطل إذن !!
أحسست أنني عكرت الأجواء فأردفت: ـ هل تذكر زميلنا الفلاني، كان معجبا بخصال رئيسه إلى حَدِّ الوَلَهِ، وغير ما مرة دافع عنه باستماتة، فَرَّقَت بينهما الوظيفة، ثم زاره مرة واضطر أن يقطع زهاء ربع ساعة من المشي على بساط ربيعي مزركش الألوان ليصل إلى حافة المَسْبَحِ، حيث يجلس المسؤول الكبير، ليفاجأ به يردد أمامه المعاني السامية ذاتها حول الجدية والكفاف والعفاف ويَأمُرهُ بمكر بأن يُعدّ له دراسة معمقة، مختتما حديثه إليه بالقول: ـ إذا أنهيتها ضعها في ظرْفٍ مغلق، واتركها لدى الحارس بباب الفيلا، فقد لا تجدني !!
عقّب صاحبي ساخرا: قال لي أحدهم، أنت ومن يدور في فلكك لم تستفيدوا من مهنتكم، كان بإمكانكم أن تستثمروا أجوركم في مشاريع ما، كما كان بإمكانكم أيضا أن تحصلوا على مال عقاري أو منقول بثمن زهيد دون أن تلحقوا ضرراً بأي شخص طبيعي، كان…وكان.. وكان…!
منكم من سار على هذا النهج، فاستفاد وأفاد، هُمْ مِنْ جِيلُكم ولازالوا يَشْتَغِلون، وأنتم أُحلتم على التقاعد. فلا غنى للإدارة عنهم !!
يا أخي:
حال هؤلاء يشبه حال خطيب صلاة الجمعة الذي حَبَّبَ للناس الصَّدقة وحَثَّهم عليها، فلّما عاد إلى منزله وجد ابنه وقد تصدق بِصَحْنِ الكسكس على الفقراء والمساكين ولما استفسره أجاب الابن: قبل قليل كنت تقول للناس: يا أيها الناس تصدقوا بمالكم على المحتاجين والفقراء. فانهال الأب على ابنه ضربا وهو يصيح: أَلَمْ تدرك معنى ما أقول، أنا كنت أَخصُّ النَّاسَ بالصدقة، فهل أنْتَ واحد من الناس!!
ابتسم صاحبي وقد فهم مغزى الواقعة وأضاف: لو انحصر الضرر فقط، في غَضِّ الطرف عن الاغتناء لهَانَ الأمَرُ، منتهى الإحباط يا صديقي هو أن تمضي إلى حال سبيلك مُتَقاعِدا ويظل أولئك آبِدِينَ «الفِيل والفِيلَة»!!
ودَّعْتُ صاحبي، إذ لم أشأ أن أواصل الحديث معه، فهو حديث ذو شجُونٍ. كان بوسعي أن أقول له:
ـ إن الإدارة قادرة أن تقف على كل شاذة وَفَادةٍ ممّا يملكه المُصَرِّحُ مهما أخفى أمواله!
ـ إن الإدارة تعرف حَالنَا يَوْمَ التحقنا بعملنا وحَالنَا اليوم، وتستطيع المقارنة بين الحالين!
ـ إنها قادرة أيضا أن تستغني عن الاستمارة التقليدية بوسيلة مباشرة !
ـ إنَّ من حقها أن تسأل إطاراً مّا حَتَّى وَلَوْ تَقَاعَدَ مِن أين لك أن تشري عَقَارَاتٍ وتستفيد من ثمن البيع، وتَحْجِب العملية عن الأنظار، وتسعى إلى تحفيظ عقارات أخرى باسم غير اسمك!
ـ كان بوسعي أن أقول لصاحبي إن رئيس دولة مَّا بلغ إلى علمه استفحال الفساد المالي بين كبار الأطر، فأمر لجنة رفيعة المستوى أن تجري عملية حسابية مفادها ضرب الأجر في عدد سنوات العمل مع إضافة نسبة معقولة إلى الحاصل على سبيل الاستثمار، على أن تُرْجِعَ ما بقي من أمَوالِ المُوَظِّف إلى الخزينة العامة للدولة !!
ـ ولم أشأ أيضا أن أذكّر صاحبي بالبيت الشعري الشهير لخليل جبران:
فَسَارِقُ الزَّهْرِ مَذْمُومُ ومُحْتَقر
وَسَاِرقُ الحَقْلِ لا تَدْرِي ِبه البَشَرُ
قَد تَتَكَالبُ الإدارة عَلى من تشاء، وقد يُجَازى الخَطُأ الجسيم بِخَير الجَزَاء، قد ترتفع الأصوات مُنْكَرةً إذا مَا نَادَى المنادي: «مِنْ أيْنَ لكَ هَذَا؟»، فَتَلُوذ إِلى الصمت مُنْتَظِرَة مِيَعاد انْصِرَافِهَا بِدَوْرِها إلى حال سَبِيلها!
المنتدى المغربي للقضاة الباحثين
Fmjc.maroc@gmail.com