التعليم..الإصلاح العصيّ

21 يوليو 2014 - 22:14

 إنه السؤال الكبير الذي يبدو جوهرياً وضاغطاً بعد أن تمّ تنصيب أعضاء المجلس الأعلى  للتربية والتكوين والبحث العلمي.

 ليس من الأخلاق ولا من المنطقي المصادرة على المطلوب، فالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي استكمل أساسه الدستوري بتنصيب أعضائه، وهو مُطالبٌ وفقاً للفصل 168 من الدستور القيام بوظيفتين، هما: «إبداء الرأي حول كل السياسات العمومية والقضايا الوطنية التي تهم التربية والتكوين والبحث العلمي». والمساهمة في «تقييم السياسات والبرامج العمومية في هذا المجال». علماً أن  الفصل نفسه أقرّ بوضوح أن المجلس «هيأة استشارية»، ما يعني أنه ليس إطاراً تقريرياً بالنسبة إلى المهام المندرجة ضمن دائرة اختصاصه. ومع ذلك، وترجيحاً للفهم [التأويل] الإيجابي لمنطوق هذا الفصل، يمكن النظر إلى المجلس بحسبه أداة فعالة وأساسية لصياغة السياسات العمومية ذات الصلة بالتعليم، ومتابعة تقييم تنفيذها في الممارسة. كما يمكن اعتبار القانون الخاص بتنظيم حياته الداخلية، المُحال عليه في الفصل 171، مفتاحاً تنظيمياً لتقوية مكانة هذا المجلس، وتعزيز اختصاصاته في الحدود الدستورية المشروعة، ودون تحويل مهامه إلى مهام عابرة لاختصاصات مؤسسات وهيئات متقاطعة معه في الأهداف والأبعاد.

 لابد من الاعتراف موضوعياً أن سؤال إصلاح التعليم ظل ثابتاً، متكرراً، ومختَلَفاً حول مداخله منذ استقلال المغرب. فعلى مدار أكثر من نصف قرن، ظلت النخبة السياسية المغربية تبحث عن توافقات حول إصلاح حال التعليم وتطوير منظومته، حصل هذا في لقاء المعمورة [1958]، وإيفران [1964 و1980]، ثم مناظرة 1994، التي اعتُمِدَت مجمل مقرراتها في صياغة الميثاق الوطني للتربية والتكوين عام 1999..ومع ذلك لم تُصلَح منظومة التعليم (…)

 اعتَرفَ لي دبلوماسي ياباني قبل أكثر من عقد ونصف، على هامش عشاء معه، بحقيقة أن الكثير من شباب بلده يُقدِمُون على الانتحار، وحين سألته ما السبب في ذلك، كان جوابه: الفشل في الدراسة. وأردف قائلا : بعض شبابنا ينتحرون حتى وإن حصلوا على وظائف ووسائل للعيش، لأن الفشل في الدراسة في تقديرهم فشل في الحياة برمتها. والحقيقة أن مفتاح النهضة، بل النهضة عينها هي التعليم أولا، والتعليم أخيراً.  ومن هنا تتضح الأهمية القصوى للنجاح في معركة التعليم في المغرب.. وكأي معركة نحتاج إلى عُدّة، أي اجتهاد، وتفكير وتخطيط، وتنظيم لأولويات الإصلاح. ونحتاج كذلك إلى توافقات واعية ومسؤولة حول الاختيارات الكبرى، ونحتاج إلى إرادات صادقة وحسنة..وبعدها نحتاج إلى منفذين للسياسات العمومية ذات العلاقة، موسومين بالاقتدار، والجدية، والمهنية، أي نحتاج إلى قُدوة تُعيد للناس ثقتهم في تعليمهم، وثقتهم في قدرات أبنائهم على الانخراط بكفاءة في جدلية التعليم والمعرفة.

  من مصادر استعصاء إصلاح التعليم في المغرب، أن المسألة التعليمية لم تتحول إلى قضية استراتيجية في تفكير وممارسة النخبة السياسية، بل بالعكس ظلت مسألة «تكتيكية»، أي عنصراً  موظفا ًفي لعبة السياسة، يستثمرها الفاعلون في تعزيز مراكزهم، وضغوطاتهم، دون وعي بخطورة نتائجها على البلاد والعباد، ومن هنا نفسر كثرة المناظرات حول التعليم، التي غالبا ما تحولت إلى مناسبات لاختبار القوة، وتسويق المزايدات، أكثر من البحث عن المشترك حول قضية القضايا، أي بناء الإنسان [المغربي] تربويا وتكويناً. ثم أليس هذا الشكل من الوعي، الذي يقوم بتحقير قضية كبرى، من قبيل التعليم، واستثمارها في سوق المزايدة، ينم عن عقلية محافظة، تعوق بدورها نهوض التعليم وتطويره وإصلاحه؟. لذلك، يحتاج تجاوز الاستعصاء والتغلب عليه إلى عقلية جديدة، أي نمط جديد من التفكير والاجتهاد، يفتح المجال لانبثاق نموذج تعليمي موسوم بالعقلانية والحداثة في اختياراته، وطرق تدريسه، ومناهجه، وثقافة تدبيره وتسييره عموماً.. وإذا اتفقنا على أن نهضة التعليم والتكوين والتربية والبحث العلمي هي أولا وقبل كل شيء اختيار عقلاني وحداثي، فإن النجاح في تحقيقها مرتبط بمدى قدرتنا على توفير شروط هذا الاختيار ذات الطبيعة الثقافية والسياسية من عدمها.. وإلا سنبقى نُراوح مكاننا، وندور في دائرة مفرغة، على الرغم من تبدل الوسائل والأدوات، وأحيانا السياقات.

[email protected]

شارك المقال

شارك برأيك
التالي