ففي الترجمة العربية تحمل هذه العملية اسم «الجرف الصامد» (protective edge)، والجرف، في الجغرافيا، هو ذلك المنحدر الحاد الذي يُفضي إلى الهاوية.
لقد درجت إسرائيل على استنباط أسماء لعملياتها العسكرية ضد الفلسطينيين أو اللبنانيين، أو لأسلحتها من المعجم التلمودي التوراتي حتى تُعطي لهجماتها ضد المدنيين العزل بعدا «أسطوريا»، ولعلنا جميعا نتذكر أسماء من قبيل «عناقيد الغضب» ضد جنوب لبنان في التسعينيات، أو «سيف جلعاد» ضد سكان غزة في صيف 2006، أو «مقلاع داوود» الذي أطلقته على منظومة صاروخية لاعتراض صواريخ الفصائل الفلسطينية. وهي أسماء يحاول أصحاب القرار في تل أبيب من خلالها إقناع الإسرائيليين والرأي العام الغربي بالخصوص بأنهم «أخيار» يخوضون «حربا مقدسة»، ضد من يعتبرونهم «أعداء» شريرين هدفهم الأسمى هو تدميرهم ومسح أثرهم من هذا الوجود!
ولكن الاسم الأخير، الذي تم اختياره للهجوم المتواصل على سكان غزة من الثامن من يوليوز الجاري، يعكس بالفعل الوضع الذي أصبح عليه الاحتلال الإسرائيلي رغم ترسانته العسكرية المتطورة. فهو على حافة جرف يطل على هاوية سحيقة جدا. فبعد 17 يوما من القصف الجوي وأسبوع من الاجتياح البري، لم تفلح القوات الإسرائيلية في تحقيق الهدف الذي خططت له – وهو القضاء على قدرة المقاومة الفلسطينية على إطلاق صواريخها- وإن تسببت في دمار هائل في القطاع وأزهقت أرواح حوالي 700 شهيد من بينهم حوالي 80 طفلا. فمازالت تلك الفصائل تطلق صواريخها، ولم يعد مداها يقتصر فقط، على بلدة «سديروت» المحاذية للقطاع، بل أصبحت تصل إلى العمق الإسرائيلي، وتحلق في سماء مدن تبعد بـ100 كلم وأكثر، مثل تل أبيب ومطارها، الذي صار لبضعة أيام منبوذا، وتتحاشاه العديد من شركات الطيران العالمية.
أكثر من هذا، وعلى عكس هجماتها الماضية، فقدت القوات الإسرائيلية أكثر من 30 جنديا بعد أسبوع واحد من اجتياحها البري لشرق القطاع، وهذه أكبر خسارة تتكبدها منذ حربها الأخيرة على لبنان في صيف 2006. كما أن عملية «الجرف الصامد» هذه، التي كان هدفها إضعاف حماس ما أمكن، أفضت إلى عكس هذه النتيجة تماما. فقد مكنت هذه الحركة الإسلامية المرتبطة بالإخوان المسلمين من الخروج من العزلة التي تعيش فيها منذ شهور طويلة بسبب التحولات التي طرأت في مصر، وغضب بعض عواصم الخليج عليها.
وأكثر من هذا وذاك، أعاد الهجوم الإسرائيلي فلسطين إلى الشوارع العالمية، وأعاد معاناة الفلسطينيين مع الاحتلال والحصار إلى شاشات العالم بعدما غطت عليها «الإنجازات الوحشية» لداعش وأشباهها.
نعم، كل هذا وغيره يجعل فعلا إسرائيل على حافة هذا الجرف المفضي إلى الهاوية، ولكن هل هذا يكفي لهزمها ولو لمرة واحدة؟.