يوم الأرض !

01 أغسطس 2014 - 12:57

لكنه في ذلك اليوم، وعلى غير عادته، اختار صاحبنا مقعدا أماميا وبدا هادئا مستكينا متتبعا. وقد اهتدى الفضوليون مِنَّا إلى معرفة السبب. قال لهم الأستاذ: بحكم جِنْسِيَّتِي أوهمت الطالب أن فصائل المقاومة الفلسطينية ترحب به مقاوما بين صفوفها مِصْدَاقاً لما يَرِدُ على لسانه من رغبته في طرد المحتل، واستأذنته في تسجيل اسمه ضمن الكَتيبة في أفق ترحيله إلى هناك، فارتعشت أطرافه ولم يرد على طلبي. وها أنتم ترونه أمامكم !!

وقد ذَكَّرَتْني واقعة هذا المناضل الشفوي بشخصية «الشاعر» في رواية «الكرنك» لنجيب محفوظ، كان يلقي قصائده بطريقة هستيرية يَلعنُ فيها كل شيء، وكم بدا المنظر هزْليًا صادما عِنْدَ اسْتِنْطَاقِهِ، ثم اختفى من فُصُولِ الرواية !

وإذا كان شاعِرُ نجيب محفوظ غاب عن ساحة النضال، فقد حافظ بَطَلُ يوم الأرض على ثبَاتِهِ حتى لا يلحق به أي ضرر !! ويؤمن مستقبله دون أن يعير اهتماما لمن غررّ بهم !!

نحن أَلِفْنَا طيلة حياتنا الدراسية أن نلتقي بأشباه زميلنا المناضل، وهي فئة راكمت تجربتها منذ البداية، وأذكر هنا تلميذا مَشْهُودًا له بالكسل والرُّعُونَةِ، ولكي يضيع وقتنا استغل عاطفة الحماس الوطني الذي رافق المسيرة الخضراء، فكان يُلِحُّ علينا أن نغادر الفصل ونتبعه في طَوَابيرَ تجوب أحياء المدينة، إلى أن تدخل مدير المدرسة وأمره أن يَتَجَنَّب الهَدْرَ المَدْرَسِي بطريقته تلك تحت طائلة ترتيب الجزاء !! 

في كل قضية ـ مَهْمَا صَغُرَ شأنها ـ هناك مناضلون، يحتفظون بيومية المناسبات من يوم الأرض، إلى يوم الشهيد، إلى أسبوع الفرس !! وتحتل هذه الأيام نسبة ملحوظة من أيام السنة الدراسية، وأبطالها لا يحملون دفتراً ولا يقتنون كتاباً ولا يَلِجُونَ الخزانة إلاّ لِحَثِ زملائهم على مغادرتها بِدَعْوى التَجَمهر، ومنهم من كانت له وظيفة، فَيُوهِمُ الإدارة بأنه يتابع دراسته، ويوهم زملاءه بأنه من الثُوار!! 

وقد أراد أحدهم إقناعنا بعدم المشاركة في امتحانات الكلية ضدّا في الإدارة، ومن بين أجوبة الرفض التي سَمِعَها قَولي له: نحن جاهزون للامتحان في أي لحظة، على أن صاحبنا نجح في استمالة البعض وهم كُثْرٌ فضاعت منهم سنة دراسية بأكملها !!

عندما أرى هذه الفًصِيلَة من الطَّلبة اليوم، أذكر قولة طه حسين الشهيرة : «قَلِيلٌ من المتحمسين يُمْكِنُ الثِّقَة بِهم» فمن رُموزِ النِّضَاليْن الشفوي والورقي من أسَّسَ فريقاً وسار بين لاعبيه زعيماً وخطيباً، ومنهم من اختار مهنة تحافظ على الحق في الخِطَابة والمُرَافعة، ومنهم من صدّق الأوهام وأضاع حياته ومستقبله !!

لازال ذلك الطالب يحتفل بيوم الأرض، حَقَّقَ ذَاته بِمَوْفُورَ الرِّزْقِ، امتلأ بَعْدَ نَحَافَة، فأصبح مُرْبَّعَ القَدِّ يَنْزِلُ إلى الشارع بِجُموع المتهافتين، يتقدمهم بمكبر صوت مزعج. في لمح البصر يجتمعون وفي لمح البصر يختفون، وتبقى الأرض على حالها !! فهم نَسَجُوا بين الاحتفال بيوم الأرض ومشتَقَّاتِه وبين استرْجَاعِهَا لَبِنَة مَرْصُوصة البنيان إلى أجل غَير مُسَمَّى.

في فُصول هذه التمثيلية الهزلية، وفي أدوار أبطالها الذين رَاكَمُوا تجربة الهَوايَة في المرحلة الدراسية، وتجربة الاحتراف وَجَنِي المحصول في الحياة العملية تكمن أسرار الهزيمة !!

قبل أُسبوع رآني صَاِحبي المناضل، خَرَج مِنَ الجُمُوع يَتَصَبَّب عَرَقًا، تحدثنا في الماضي، ذَكَّرْتُه بِحِكَاية يَوم الأرض، امتقع لونه، مَدَّ يَدَه للسلام، ثُمَّ اختفى !!

رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين

[email protected]

شارك المقال

شارك برأيك
التالي