الرأسمال غير المادي

01 أغسطس 2014 - 23:48

وسينضاف إلى مفاهيم كثيرة سبقته مثل «المفهوم الجديد للسلطة»، «الإصلاح الديني»، «التنمية البشرية» وغيرها… وكما كان الأمر مع كل هذه المصطلحات، فستُلوِّك الكثير من الألسن المفهوم الجديد، وستتناوله العديد من الأقلام شرحا وتحليلا.. بعض هذه الألسن والأقلام سيفوح الصدق من ثنايا أصواتها وحروفها، وبعضها الآخر سيكون مضمخا بما تيسر من تزلف، وفئة ثالثة ستكتفي بأن تلعب دور «الصدى» لهذا أو ذاك.

ونظرا إلى موازين قوى التأويل.. وإلى من بأيديهم سلطة التأويل في هذا البلد، فإنني أخشى أن يكون مصير هذا «الضيف» الجديد على ساحة الخطاب السياسي والإعلامي، شبيها بمآل المفاهيم التي سبقته، فيفقد روحه ودفئه وكل ما كان يحمله من مضمون، ويصير «كائنا ذابلا منهكا» من فرط «استهلاكه»، مثلما حدث مثلا لـ»التنمية البشرية» أو «المفهوم الجديد للسلطة» اللذين تلاشت الآمال التي بنيت عليهما بسرعة كبيرة ولم يكن لهما أي أثر فعلي على حياة ووضع المغربي الذي كان مقصودا بهما. والحال أن هذا الأثر هو الذي شدد عليه ملك البلاد في خطاب العرش أول أمس.

إن «الرأسمال غير المادي» (immaterial capital) مفهوم غربي ظهر في أواسط القرن الماضي، في محاولة لتجاوز الطابع اللاإنساني الذي كان يعتمد في حساب الثروة. ويشمل هذا الرأسمال غير المادي أساسا التكوين والبحث العلمي والتكنولوجيا والوصول إلى المعلومة، والثقافة، وهذه الأمور كلها وغيرها تعتبر حيوية لتنمية الثروة بمعناها المادي التقليدي. والإنسان هو الأس الذي يقوم عليه هذا المفهوم الجديد عندنا، فمنه ينطلق وإليه ينتهي.

ولعل الأمر لن يكون مستغربا البتة إن توصل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي- في خلاصة دراسته التي طلب منه رئيس الدولة القيام بها حول «القيمة الإجمالية للمغرب» بتعاون مع بنك المغرب ومؤسسات وطنية أخرى- إلى أن الكائن المغربي يظل، رغم كل مظاهر العصرنة التي عرفتها بلادنا في السنين الأخيرة، الأقل استفادة من ثروات هذه البلاد، سواء أكانت مادية أو غير مادية.

وفي تقديري، فإن السبب الرئيسي في بقاء المغربي بعيدا عن ثروات بلاده يكمن أساسا في كون هذا الكائن يظل هناك مركونا على هامش اهتمام السلطة التي لا تعتبره جديرا بتلقي خدماتها، بل تنظر إليه كتابع لها، عليه أن يكون ممتنا لأنها قبلت به لأن يكون في خدمتها. ولعل هذا ما يفسر سعي الكائن المغربي الدائم لإرضائها من خلال إرضاء ممثليها مهما كانت درجتهم، ويفرح حين يحصل منها على أي شيء لأنه يعتبره «دليل» رضاها عنه.

إن الولادة الحقيقية لمفهوم «الرأسمال غير المادي» بالتربة المغربية ستكون صعبة للغاية لأنه مرتبط بتحقيق مطلب التعليم الرفيع وإعطاء الأولوية لإبداعية المواطن، وهذا يفترض، أولا وقبل كل شيء، رفع الكائن المغربي إلى مرتبة الفرد الكامل في فردانيته حتى يكتسب صفة «المواطن» بمعناها الحقيق والعميق. وهذا الأمر يستوجب «ثورة» في الخطاب النظري المؤسس الذي يقوم عليه المجتمع المغربي.. ويفترض الانتقال من خطاب يجعل الكائن المغربي مجرد عنصر تابع للجماعة.. خاضع لها.. إلى فرد له مكان مركزي فيها.. لأنه لوحده القادر على «التجسيد المادي» لهذا «الرأسمال غير المادي».

شارك المقال

شارك برأيك
التالي