خطاب التساؤل مع الذات

04 أغسطس 2014 - 22:25

 فلغة الخطاب حبلى بالأسئلة العميقة والقوية، ومؤثثة بمفردات جامِعة بين تثمين المكتسبات، والدعوة إلى تجاوز الثغرات والسلبيات.

 ثمة محاور ومستويات متعددة ومتكاملة في نص الخطاب.. يهمني الوقوف عند مقطعه الأول الخاص بالمفهوم الجديد أي «رأس المال غير المادي»، وأهميته في قياس الرفاه الاجتماعي في علاقته بإجمالي الثروة الوطنية. وفي الواقع، كما ورد في الخطاب الملكي، ليس المفهوم جديداً ولا مستحدثا من حيث الاستعمال، فقد دخل الأدبيات الدولية منذ بداية العُشرية الأخيرة من القرن العشرين، ووظفته متون العديد من التقارير ذات الصلة بالتنمية البشرية والإنسانية المتعاقبة منذئذ. لكن الجديد والأكثر أهمية واستراتيجية أن يُعتمد في خطاب ملكي سام، وأن يوظف في سياق التفكير في ما سماه الخطاب «الرفاه المشترك لكل المغاربة»، وأن تقع الدعوة إلى اعتماده مؤشرا مركزياً للإجابة عن سؤال مفصلي: أين هي ثروة المغرب، التي أقر البنك الدولي نفسه بمراكمتها خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة؟ وهل استفاد منها جميع المغاربة؟ وما السبيل أو السبل لجعل القيمة الإجمالية المتراكِمة لرأس المال غير المادي ملكاً مشتركاً مُقتسماً بين كل المغاربة؟

 ينطوي الخطاب على إرادة واضحة لتشخيص المكتسبات وإبراز الاختلالات اعتماداً على هذا المفهوم الجديد، كما يدعو بشكل قاطع إلى ضرورة أن يُجيب مؤشر «رأس المال غير المادي» عن سؤال توزيع الثروة المغربية ومستويات الاستفادة منها بالنسبة إلى كافة المغاربة، ويتضمن أيضا توجيهاً قطعياً في أن يُصبح هذا المفهوم وما سيفتح من آفاق، أساساً مرجعياً في صياغة السياسات العمومية وتنفيذها ومراقبتها. ثم إن في الخطاب تنبيهاً قاطعاً إلى أن الدراسة التي سينجزها كل من المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وبنك المغرب، وكل الشركاء والمشاركين من قريب أو بعيد، لن تكون حبراً على ورق، أو مادة للاستهلاك والترويج.. إنها إرادة ملكية ومشروع مجتمعي في أن ينتقل المغرب إلى وضع جديد موسوم بتكافؤ الفرص والتوزيع المتوازن والمتكافئ للثروات والخيرات، أي وضع يتولد فيه وخلاله شعور المغاربة ليس بالأمن فحسب، ولكن بالأمان أيضاً.

 سمح لنا الخطاب الملكي، وتحديداً مقطعه الأول، باستنتاجين اثنين: يتعلق الأول بمقصد مفهوم «رأس المال غير المادي» واستراتيجية توظيفه في صياغة أسئلة الثروة المغربية وواقع توزيعها، في حين يخص الثاني العلاقة التلازمية بين إعادة توزيع الثروة، بما يحقق الرفاه المشترك، وتعميق السيرورة الديمقراطية في المغرب.

أفهمنا الخطاب أن المقاربة التقليدية لقياس التنمية في أي بلد لم تعد مجدية، بل تحتاج إلى منظور جديد، يُدخل في عين الاعتبار العناصر غير المادية ذات العلاقة بالثقافة والتاريخ، وكفاءة المؤسسات وفعاليتها، وجودة الحياة، وأمن الناس وأمانهم.. وهي من الأمور التي تحتاج إلى جهد وعمل منتظمين وعميقين لقياسها، والتأكد من آثارها على حياة الناس. ولعل جوهر ما أثار انتباهنا في هذا الاستنتاج أن المطلوب ليس تعداد المشاريع، بما فيها المشاريع المهيكِلة الكبرى، والإكثار منها، وهي بالغة الأهمية في كل الأحوال، بل الأهم الوقوف الموضوعي عند ضرورة شعور الناس بالاستفادة المتكافئة والعامة منها، والاقتناع بأهميتها بالنسبة إلى حياتهم المعيشية.. وبصيغة أوضح، هل خلقت نتائج التنمية المعتمدة شعوراً بالأمان لدى الناس، وولدت لديهم ارتباطاً أكثر بالدولة، بوصفها إطاراً للعيش المشترك، أم بالعكس لم تُحرّك فيهم هذا الشعور، وإن بدرجات مختلفة، ولم تُقنعهم بأنهم مواطنون لهم أقران متساوون في الحقوق والواجبات؟ ففي استطلاع للرأي أجراه تقرير التنمية الإنسانية العربية الخامس للعام 2009، أكدت نتائجه أن سبعين في المائة من المستجوَبين في أقطار عربية كثيرة يشعرون بأن التنمية المعتمدة في بلدانهم لا تعنيهم، وأن ليس لهم أقران مكافئون في الحقوق والواجبات. لذلك، سيكون استراتيجيا ومفيدا جداً أن يُساعد اعتماد مؤشر «رأس المال غير المادي» في انتقال المغرب من التقييم الكمي لنتائج التنمية إلى التقييم النوعي، أي المعرفة الموضوعية لاستفادة المغاربة من ثروات بلدهم، ليس بشكل متساوِ، لأن ذلك ضرب من المثالية، ولكن بطريقة متكافئة ومتوازنة.

 أما الاستنتاج الثاني الذي أوحى لنا به نص الخطاب، فيتعلق بالعلاقة بين النجاح في الاقتراب من العدالة الاجتماعية وإنجاح وتوطيد العملية الإصلاحية والديمقراطية في بلادنا. فغير خاف التلازم الحاصل بين فكرة الديمقراطية -بما هي فلسفة ومنهج لإقرار الحريات وتوسيعها، وضمان المشاركة الواسعة للناس في تقرير مصير شؤونهم- والشعور بالتكافؤ والأمان في معيشهم. فالحرية، والمشاركة، وعدم الشعور بالخوف، من القيم المهمة والاستراتيجية لأي نهوض مجتمعي، لكن الإحساس بكرامة العيش، والتكافؤ في الفرص، والشفافية في تدبير الشأن العام، والمحاسبة عند الخطأ، من الضرورات الزكيات، التي ترُصّ صفوف الناس، وتولد لديهم الولاء القوي للبلاد، وتجعلهم يلمسون معاني الكلمات والمفردات والمصطلحات، ويسعون إلى توطينها في الثقافة.

شارك المقال

شارك برأيك
التالي