الكُوكْـــلي!

05 أغسطس 2014 - 23:20

 

– هل تذكر فُلاَناً صَاحِبَ دكان بيع المواد الغذائية؟

أجبته:

نعم، ببذلته الزرقاء، وطَاقِيتِه المزركشة، وسِرْواله الرَّمادي الفضفاض!

– أسس مجموعة مدارس، وَعَرضَ عليّ العمل بها بأجْر مغرٍ.

– وماذا في ذلك؟ الرَّجُلُ يبحث عن الربح، وقد وجد في التربية والتعليم كَنْزَ علي بابا!

– لو اقتصر الأمر على الاستثمار لمَا أحسست بالمرارة، صَاحِبُنَا سمَّى مجموعة مَدَارِسِهِ باسمه الخاص، والذين سمحوا له بذلك غير آبهين تماما بقيمة الفكر، هل من المُنَاسِبِ أن يدخل تجار الخردوات والبنَّاؤونَ وأصحاب محلات البقالة وتجارة الدجاج والمواشي، مِمَّنْ لم ينالوا أي حظ من التعليم، إلى التاريخ عبر هذه البوابة؟ أليس في المسألة إهانة واضحة وافْتِئَاتٌ غير مشروع على رجال العلم وازدراء سخيف لهم؟

أحسست بدرجة الألم التي يعانيها صاحبي فقلت:

– أنا مِثْلُكَ شاهدت على امتداد الشريط الساحلي مَدَارِسَ تحمل أسماء من ذكرتهم، ففي الوقت الذي يُشِيدُ الغَرْب بأسماء علمائه وفنانيه ومفكريه فتزدان الشوارع والمدارس والمعاهد والمتاحف بأسمائهم، نُسَمِّي نحن مدارسنا ومعاهدنا ومتاحفنا ومساجدنا بأسماء من تَتَدَلَّى مِحْفَظة المال على صُدُورهِمْ، فإلى جانب مدرسة فيكتور هيكو، وشكسبير، وأبْرَاهام لنْكُولُنْ وهللين كيلر، وطه حسين، وبَاخْ وبيكاسو، وسعيد حجي تنتصب أسماء تجار الأقمشة والخضروات، ومن يدري فقد يَمُرُّ حِينٌ من الوقت تسجل أسماء هؤلاء بمداد التاريخ عُلَمَاءَ أجلاء! فَتَدْرُسُ سِيَرَهُم الأجيال المقبلة! وما هم إلاّ باعة تجار!

انتفض صاحبي قائلا:

– هل يملك ذرة من العقل ذلك الذي يرخص لمجموعة مدارس أن تحمل اسم بانيها، هل استوى لديه الفندق والمطعم والعمارة والسوق الممتازة ودار التعليم؟ هل اجتاحت المَادَّةُ كل شيء فأتت على الأخضر واليابس فلم يبق سوى غُصْن التعليم الرَّفِيعِ لاجتثاثه؟ ألم يُصَب التعليم في مقتل منذ أربعة عقود خلت: بدأنا بكسر شوكة المرفق العمومي، وَتَمَلُّصِ الدولة من التزامها بتوظيف الخريجين، وإفراغ الشواهد الجامعية من قيمتها، ومساعدة الكُسالى وَمُحْتَرِفي الغش على النَّجَاحِ، وتقسيم الباكلوريا إلى مرحلتين، والاكتفاء بإعادة الامتحان في بعض المواد، وتشجيع حَرْبِ النُّقَطِ وَحَقْنِهَا بالمُضَادَّاتِ الحيوية، وإجبار التلاميذ على الانخراط في الدروس الخصوصية، فلم يبق سوى مِسْكُ الخِتَام أن نسمي المدارس بأسماء الباعة المتجولين!

هذه جريمة متلبس بها، بوسع المجلس الأعلى للتعليم أن يقف عليها، نعم ليَسْتَثْمِر التاجر كيفما شاء، لكن أن نَسْتَنْسِخَهُ عالما أو فنانا أو مفكرا، وَنُسَمِّي به المدارس فهذا هو منتهى الرَّداءة!

لِسَانُ حَالِ هؤلاء يَقُولُ لصَاحِبي وأمثاله: أنتم الآن أجراء عندي، أوظفكم وأُرَقيكم وكأني بشخصية «الكُوكْلي»، التي أتْقَنَ أداءها الفنان محمد عاطر، قد بلغت أشدها في واقعنا، فباعة الدجاج والطماطم مديرون وأطر إدارية، وهلم جرّا.

لا ينبغي أن نُفَعِّلَ الرأسمال المعنوي بالطبول والدُّفُوفِ والزغاريد، بل بالعمل الجاد، ومن العمل الجاد وضع حد لهذه المهزلة:

مجموعة مدارس بائعي المواد الغذائية!

 رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين

[email protected].com

شارك المقال

شارك برأيك
التالي