الجذوة التي تسكن «واو» الروح

09 أغسطس 2014 - 21:15

بل، وهذه هي المفارقة العجيبة، أحس بأن القنابل والقذائف، التي ظلت تعيث في سماء القطاع صفيرا وفي أرضه خرابا، زادت من تماسك الروح الفلسطينية أينما كانت. فكأن تلك القذائف والقنابل، المسمارية منها وغير المسمارية، هي ذلك الحديد والإسمنت الذي يمنعه الإسرائيليون عن سكان غزة خوفا من استعماله في «أغراض أخرى».

نعم.. سفك جيش الاحتلال دماء حوالي 1900 شهيد بينهم أزيد من 400 طفل، حسب ما أوردته مصادر حكومية فلسطينية ومنظمات حقوقية دولية. أما المصابون فيلامس عددهم الـ10 آلاف ضمنهم حوالي 2900 طفل.

ودمرت إسرائيل كثيرا من مظاهر العيش، وإن كان قاسيا، وحولت إلى الغبار آلاف البيوت كانت تؤوي حياة ترغب في الحياة إن استطاعت إليها سبيلا، حسب تعبير الشاعر محمود درويش، وعمقت الإحساس بالتشرد للمرة الألف في نفوس عشرات الآلاف. فقد اضطر العدوان الإسرائيلي حوالي 475 ألف شخص، حسب مصادر حكومية فلسطينية، إلى النزوح عن ديارهم، من بينهم ما يقرب من 165 ألفا لم يعد لديهم أي مأوى بعدما حولت نيران الاحتلال بيوتهم إلى مجرد أنقاض وغبار.

كل هذا وغيره من الدمار غير المرئي لم يمكن إسرائيل من تحقيق ما ترغب فيه من «انتصار»، يتمثل أساسا في ترهيب الفلسطينيين وتخويفهم، وجعلهم يقتنعون بأن «قوة إسرائيل أمر واقع»، لأن «العرب لا يأتون إلا بفرض الأمر الواقع عليهم»، كما تقول العقيدة الإسرائيلية. فقد أبرز استطلاع للرأي، نشرت نتائجه أول أمس الأربعاء، أن 51% من الإسرائيليين يعتبرون أن إسرائيل لم تحقق «النصر» في غزة، رغم الدمار الهائل الذي تسببت فيه، كما أن 56% منهم يرون أن الأهداف التي حددتها حكومة نتنياهو لعدوانها، أي تدمير الأنفاق والحد من القوة المتنامية لحماس والفصائل الفلسطينية الأخرى، لم تتحقق إلا «بشكل جزئي».

والأهم، أن كل هذا الدمار وغيره من الألم لم يمسس تلك الجذوة القابعة هناك في «فاء» النفس».. هناك في «واو» الروح».. لم يمسس شمعة الصمود الأخيرة التي لم يتبق للفلسطينيين سواها في هذا النفق الطويل والمظلم والمرهق، ولكن المفضي في النهاية إلى «أرض الخلاص».

نعم أحسست بأن هذه الجذوة لم تمسسها ريح العدوان بسوء، بل على العكس من ذلك أججتها كما تؤجج الريح الجبلية حريق الغابة. ولعل الريح الوحيدة التي يمكن أن تؤثر عليها حقا وقد تقضي عليها، هي تلك التي تهب من الصراعات الفلسطينية الداخلية التي تبدو خامدة الآن لكنها لم تنطفئ تماما.

لم أكن يوما من أنصار التوجه الديني الذي تؤمن به حماس، ولن أكون يوما من أنصاره، ولكن كذلك لا يمكنني إنكاره لأن له وجودا ملموسا في العديد من المجتمعات بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وما حولها.

وأخشى ما أخشاه اليوم، أن يتحول صمود غزة والغزيين، الذي شاركت فيه كل الفصائل الفلسطينية، إلى ورقة سياسية في يد هذا الفصيل أو ذاك لتحقيق مكاسب «فصيلية ضيقة» وليس أهداف القضية الفلسطينية، فيخبو، مرة أخرى، نور تلك الجذوة، ويضيع وهجها بين أرجل الصراعات الداخلية الفلسطينية.

شارك المقال

شارك برأيك
التالي