الإدريسي يتحدث عن تفاصيل حفلات القصر في عهد الحسن الثاني

12 أغسطس 2014 - 12:39

حوار صريح مع الفنان المغربي محمود الإدريسي، يكشف فيه جوانب من تجربته الطويلة، خاصة ما تعلق بحرص الحسن الثاني على سماع أغاني بصوته، لكن يقف أيضا عند الحاضر، الذي يتميز بغياب صناعة فنية تضطر المبدعين إلى أن يشتغلوا بما يجدون أمامهم، معلنا أنه سيعتزل الفن كما فعل عبد الهادي بلخياط 

 

كيف جاءت مشاركتك في ملحمة "المغرب المشرق"؟

اتصل بي بشكل مباشر مصعب العنيزي، واتصل بي بعده جلال الحمداوي وأسمعني الجزء الذي سأغنيه، وأعجبني العمل وأجبته أنه لا بأس من مشاركتي إلى جانب باقي الفنانين المغاربة. واليوم، أجدها مشاركة جيدة جدا، لأن الأمر يتعلق بعمل وطني مضى زمن طويل على آخر عمل مشابه له يتغنى بالمغرب والملك، الذي يستحق أن نذكره في أغانينا كتقدير لما قدمه من منجزات.

 

لكن هذا العمل تعرض لانتقادات واسعة، اعتبرته بعيدا عن صنف الملحمة؟

هذا خطأ كبير، فحسب تجربتي الطويلة أشهد بأن هذا العمل مهم جدا، لأن يضم جميع مقومات النجاح، من ألحان جيدة وكلمات جيدة…

 

بمناسبة الحديث عن الكلمات، ماهي العناصر التي تم انتقادها واعتبرت سطحية؟

للأسف، في المغرب لدينا ثقافة الانتقاد من أجل الانتقاد لا غير، وهذا أمر ليس بالجديد، فمنذ زمن طويل كل الأعمال كانت تتعرض للنقد والتجريح، لكن بمرور الزمن هؤلاء المنتقدون أنفسهم يعترفون اليوم بقيمة ونجاح تلك الأعمال، ومنها أعمالي الفنية. 

هذه فاتحة خير للعودة إلى الأغنية الوطنية، ويكفينا أن نفتخر بذلك، ويجب ألا ننظر إليها من زاوية سلبية مجرد تغنيها بالملك، بل هو شيء يدعو إلى الفخر، وأنا أشهد، وشهادتي ليست بالشيء الهين، أن "المغرب المشرق" عمل جيد كما ذكرت، وضم أصواتا جميلة جدا..

لكن الانتقادات لم توجه بالأساس إلى الأصوات، وإنما إلى العمل ككل، كيف ذلك؟

الحقيقة، أن ثمة فنانين وجهت إليهم الدعوة للمشاركة في العمل، لكنهم رفضوا وبعد خروج العمل ندموا،  فتوجهوا نحو ممارسة الانتقاد السلبي.

وهذا الانتقاد لم يأخذ بعين الاعتبار أن العمل نجح رغم أنه لم يأخذ وقته الكافي، حيث لحن وسجل وصور ككل الأعمال في ظرف وجيز لم يتجاوز الخمسة عشر يوما.

ألا يمكن أن يكون هذا الاستعجال واحدا من النقط التي تمت مؤاخذتها على العمل؟

أولا، يجب أن ننبه إلى أن اجتماع الفنانين لم يكن سهلا، وكان لكل منه برامجه الخاصة التي لا تسمح له بإمضاء وقت أطول من ذلك، وبينهم أسماء لمنور، وجنات مهيد، وآخرين..، لكن رغم ذلك فكل من ينتقد يجب أن يفهم أن "المغرب المشرق" هي "أغنية فال" للعودة إلى التغني بملكنا ومنجزاته وبالمغرب ككل. وقد نجحت وإن لم تأخذ وقتها الكافي. وكما قلت قبل ذلك، إن الانتقاد عادة من عادات المغاربة، ومثلما انتقدتْ أغاني وطنية، كـ  "عيشي يا بلادي" وملاحم سابقة، يُنتقد اليوم عمل مصعب العنيزي.

هل الانتقادات التي وجهت إلى أغانيك والملاحم السابقة تماثل انتقادات اليوم؟

هي الانتقادات نفسها، سميت آنذاك "تخربيق"، واتهمتُ بأني نزلت بالمستوى الفني للأغنية المغربية كما هو الشأن مع أغنية "ساعة سعيدة"، لكن بمرور الزمن نجحت الأغنية وتراجع هؤلاء عن انتقاداتهم.

 

بعد مسيرة فنية طويلة، ما هي الحصيلة التي خرج بها محمود الإدريسي؟

سمعتي الفنية مع الشعب المغربي، والرصيد الفني، بالإضافة إلى الذكريات التي أحتفظ بها مع ملكنا الراحل.

وماذا عن الرصيد المادي، هل اغتنيت من الفن؟

لا، لم أستطع بعد تحقيق ما تمنيت.

كيف لم تحقق ذلك رغم احتضان القصر لك لمدة طويلة؟

لست غنيا، واحتضان الملك شيء والمجال الفني شيء آخر، واشتغالي  مرتبط بالمجهود الفردي، في ظل غياب منتجين داعمين، بعدما رفعت الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة يدها من دعم الفنان.

هل يعني ذلك أن التلفزيون يتغاضى عن حق الفنان المغربي؟

صحيح، فالقناة الأولى مثلا لم أشتغل معها منذ عشر سنوات، والقناة الثانية لم أشتغل معها إلا مرة واحدة كل 3 سنوات، وذلك لا يسمن ولا يغني من جوع. هناك اليوم تخلي عن الفنان بكل معنى الكلمة.

 

كيف ترى حال الشأن الفني عموما في المغرب اليوم؟

ما دمنا لا نتوفر على صناعة فنية في المغرب، وأقصد وجود منتجين للأغاني يتبنون المطربين والملحنين ويهيئون ظروف المنافسة كل أسبوع؛ منافسة بين الألبومات وبين الكليبات، فنحن "كنقضيو باللي كان" بمجهود فردي، وهذا الأخير لا يمكنه يوما أن يكون كافيا، ونعتمد عليه لأن لا بديل أمامنا، ولن يزدهر الفن المغربي أبدا في ظل غياب هذه الصناعة. كما أنه رغم الإنتاجات الموسيقية التي نتوفر عليها، فإننا لم نوف الموسيقى المغربية حقها، ولم نتطرق لكل إيقاعاتها.

 

أين هو ازدهار الأغنية العصرية اليوم مع جيلكم؟

الأغنية العصرية ما تزال وأهلها بخير، لأن العالم العربي كله صار يتجه نحو التكلم والغناء باللهجة المغربية، والأخذ من الألحان المغربية، كموضة. لكنها تحتاج إلى منتجين داخل المغرب.

 والمغاربة قادرون على أداء كل الألوان. ما يحتاجونه فقط؛ يتجلى في الإمكانيات المتاحة لذلك. بالنسبة لي، قدمت الكثير في مشوار امتد لمدة تقارب خمسين سنة، وما نطمح إليه هو أن يكمل الشباب ما بدأنا به.

 

هل تعتقد أن غناء المشارقة بألفاظ مغربية قليلة، كثير منها دخيل، ممزوج بكلمات فرنسية أحيانا يستطيع أن يهيأ لانتشار الأغنية المغربية العصرية؟

من جهتي، لا أملك إلا تشجيع من يحاول كتابة أغاني بالمغربية. وفي هذا السياق، أقوم بتهنئة مصعب العنيزي على جرأته، لأنه لم يسبق لكاتب كلمات مغربي أن واجه المشارقة الذين يصفون الأغنية المغربية بأنها غير مفهومة، وجعلهم يقدمون على التغني بها، وإن تم مزجها بكلمات عربية كما فعل مصعب العنيزي، المغربي من جهة الأم، والذي يفتخر بمغربية والدته، ويحب المغرب ويتعاطف مع فنانيه، وهاجسه الوحيد هو نشر الدارجة المغربية، ويكفينا فخرا أنه يحاول ذلك قدر إمكانه. صحيح أنه لا يمكنه أن ينشرها بنسبة مائة في المائة، لكن علينا شكره وتقديره على عمله، ولو بنسبة 20 في المائة.

 

في رأيك ! لو كان الحسن الثاني مازال حيا، هل سيكون حال الفنانين أفضل، وهل كان الأمر الذي تسعى إليه سيتحقق ؟

الميدان الفني يحتاج دائما إلى وقت ليتطور ويرتقي أكثر. فالمغرب اليوم ماض في ذلك، وخلقت مشاريع في هذا الصدد، بناء على الدعم الذي خلقته وزارة الثقافة لذلك.

 

هل فعلا ارتقى الدعم بالأغنية؟

علينا أن ننظر بإيجابية، وليس على نحو تشاؤمي. صحيح أن هذا الدعم لا يكفي الجميع، لكنه يبقى بداية طيبة، وميزانيته والمستفيدون في تطور مستمر، وعلينا أن نفكر في نتائجه على المدى البعيد، وفي سبيل ذلك نحن في حاجة إلى استراتيجية ضابطة.

 

هل يتوفر المغرب على هذه الاستراتيجية؟

أجل، فنحن نملك نقابات فنية في المجال الموسيقي وفي غيره من الفنون، بدأنا صغارا ونكبر شيئا فشيئا، ونطالب بحقوق الفنانين، وبإحداث قوانين تخص الفنانين، وما نزال نمضي في الطريق.

 

وإن سألتك عن عموم سياسة المغرب وعمل الحكومة، كيف تقيمها أنت كفنان اليوم؟

بالنسبة لي، لم أمارس السياسة، لأني لا أتطفل على مجال لا أفقه فيه، ولا أصلح له، خاصة وأني أكتفي بمجالي الفني. 

أعتقد أن الحكومة في طريقها الصحيح، وتقدم ما في وسعها، والحمد لله على ما نعيشه في المغرب، فرغم مرور زوبعة ما سمي بـ "الربيع العربي" نجونا، ونعيش اليوم أفضل حتى من جيراننا.  أشير هنا إلى أن المغاربة ينظرون دائما إلى الجانب الفارغ من الكأس، ويتشبثون بالسلبي ويبنون عليه أحكامهم، دون أي اهتمام بالجانب المهم. 

 

كانت لديك تجربة في التمثيل المسرحي، تحدث لنا عن ذلك؟

توجهت إلى المسرح وأنا ابن السادس عشرة من عمري لأطرد خجلي، فقد كنت خجولا، لدرجة أني لا أستطيع النطق من فرط هذا الخجل. وقد نصحني أصدقائي بممارسة التمثيل من خلال المسرح، الذي تعلمت منه أشياء كثيرة، ومنها المواجهة، وكيف أقف على الخشبة. وفعلا، نجحت في ذلك بعد سنتين من ممارسة المسرح، وأفادني في تجربتي الموسيقية أمام الجمهور.

 

يعني أن ممارستك المسرح كانت بدافع غير حبه؟

لا أنكر، إني أحببت المسرح أيضا، لكنه لم يكن هوايتي، فاختصاصي الأول هو الغناء.

 

إذا عدنا بك إلى بداية المشوار من قادك إلى احتراف الغناء؟

أحمد الطيب لعلج رحمه الله. ففي سنة 1965 عند نهاية الموسم الدراسي في المعهد، أقيم حفل آنذاك وحضرت إليه فرقة موسيقية، وكنت رفقة أصدقائي الممثلين حينها، وبينهم الفنانة نزهة الركراكي ومحمد جفان وبنعيسى الفاسي، وأخبروا الطيب لعلج أني أغني، وذلك ما تم ففوجئ الأستاذ لعلج بأدائي، وقال لي: "مكانك في استوديو رقم 1 مع الجوق الوطني وليس المسرح"، وشجعني غيره..، فأخذت طريقي، ومن تم بدأ مشواري الغنائي. وقد كتب لي لعلج أول أغنية.

 

في نظرك، هل ما تزال الساحة الفنية في المغرب قادرة على إعطاء أسماء قادرة على إنتاج أعمال لكبار مبدعي الأغنية المغربية، وعلى رأسهم الطيب لعلج؟

 أحمد الطيب العلج لم يشتهر إلا بعد تقديمه أعمال كثيرة نجح فيها. واليوم، لدينا شباب موهوبون، الشهرة والنجاح نفسه لا تتحقق إلا بالممارسة والاجتهاد.

أنا دائما معجب بالفنانين المغاربة، لأنهم قادرون على الغناء بكل اللغات واللهجات، والفضل في ذلك يعود إلى الدارجة المغربية. وعبر العالم المغرب يحتل الصدارة من حيث كونه قادرا على إجادة كل اللغات، فقد كنا نعرف بعض المطربين القدماء يغنون بالهندية، ليس فقط اليوم وإنما منذ زمن، بحيث كان بيننا بعض المطربين القدماء يغنون بالهندية.

 

أمثال من؟

 

أذكر منهم ابراهيم مانكالا، من بين عناصر "الخمسة والخمسين" والجوق الملكي، وكان من بين العناصر أيضا "صديق"، وهو عازف كيتار مغربي يغني بالإسبانية. وقد كان الملك الراحل يفتخر بقدرة المغاربة على ذلك. وذات مرة كان الفنان المصري محمد عبد الوهاب من ضيوفه، وسمع غناء المغربي بالهندية فذهل بأدائه، وعلق الملك بأن قال له إن المغاربة يؤدون كل الألوان. 

 

بمناسبة حديثك عن الحسن الثاني هل كان له لون موسيقي مفضل؟

كان يحب الإنصات لكل الألوان. 

 

هل لك أن تحدثنا عن بعض السهرات الخاصة التي حضرتها، وعن شيء مما ميز مشوارك داخل القصر؟

كنت رهن إشارة الملك الحسن الثاني، وكنت أحفظ الأغاني الوطنية التي كان يحب، لأرددها، ومنها "عيشي يا بلادي"، و "ثورة الملك والشعب"،     و "يا دعاء رن في سمعنا" للفنان عبد الهادي بلخياط، التي كان يطلب مني أن أقدمها بصوتي، إلى درجة أني أديتها في إحدى المرات بحضور صاحبها، بطلب من الملك الراحل الذي أراد سماعها بصوتي.

 

ألم يسبب لك ذلك إحراجا يومها؟

شعرت يومها بحرج كبير، لأني اعتدت تقديم الأغنية في غياب عبد الهادي بلخياط، لا في حضوره، وقلت للملك إن صاحبها حاضر، فرد علي أنه يعلم ذلك، لكنه يريد سماعها بصوتي. فلم أملك سوى إطاعة الأمر. وكان الحسن الثاني يقود بنفسه الفرقة الموسيقية حين أدائي لهذه الأغنية تحديدا، وكنا ننسجم كثيرا، إذ كنت أفهم كل ما يريده، كما هو الشأن حين كان يرغب في سماع إحدى الأغاني الشرقية لمحمد عبد الوهاب بصوتي.

من  في رأيك كان أحب الفنانين للحسن الثاني؟

كان معجبا بكل من محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، الذي كان ينصت لجميع أغانيه، وكان يستمع إليها أيضا بصوت محمد الحياني الذي كان يتقنها، كما هو الشأن بالنسبة إلى عبد المنعم الجامعي.

 

باستثناء حادث انزعاج الملك منك في أول لقاء جمعك به، ألم ينزعج منك مرة الحسن الثاني لسبب معين؟

مرة واحدة هي التي انزعج الملك فيها مني، وتخص عدم تقيدي بالبروتوكول في أول لقاء، لعدم درايتي به، حيث تركت يدي في جيبي وهو يحدثني، ولم يحدث شيء من ذلك القبيل بعد، لأني كنت ملتزما دائما بالوقت وبحضوري المكثف وبأخلاقي وأدبي، الأمر الذي جعل الملك يعزني ويقدرني إلى آخر المطاف، حيث كان يجود علي بعدد من البدلات الرسمية، التي ما زالت أحتفظ بها "بركة"، وذكرى عزيزة.

ألم تشهد يوما غضبه أو انزعاجه من أحد الفنانين؟

الحسن الثاني كان جديا ومحبا للانضباط، وكان يتميز بردة فعل سريعة حين يرى ما لا يناسبه، ويحب أن تكون للفنان شخصية قوية ومميزة يمثل عبرها الفن المغربي، وحين كان يرى عدم توفر ذلك في واحد من الفنانين كان يغضب.

احكي لنا شيئا من ذلك؟

في أحد المرات، سقطت الورقة الخاصة بالعزف "النوتة" من أمام أحد العازفين الموسيقيين، ولم ينحن ذلك الموسيقي لالتقاطها من الأرض، وانتبه الملك إلى ذلك، فأغضبه الأمر جدا، إذ قال له: "تلك النوتة هي مصدر رزقك، لا تخجل من تركها مرمية على الأرض يا ناكر نعمة الله".

 

أتاح لك حضورك للقصر اللقاء المباشر بشخصيات سياسية كبيرة، رؤساء وملوك، من تتذكر منهم؟

الحسن الثاني، كان يحرص على أن نسلم على ضيوفه، وكان يرفع معنوياتنا. وأستحضر من ذلك أنه ذات مرة في إحدى السهرات بالصخيرات كان ضيفه "عمر بونغو"، الذي تقدم نحوي رفقة الملك ليقول لي: "إن فخامة الرئيس أعجب بصوتك ويريد أن يسلم عليك"، وهذه من الأمور التي أعتز بها، ولا أنساها للملك الراحل الذي كان له إحساس عال جدا، وكان يعمد عبره إلى تشجيعنا على العطاء أكثر، وكنا نعود بمعنويات عالية بعد كل حضور.

 

كيف كانت الأجواء التي كنت تعيشها وباقي الفنانين في سياق التحضير للسهرات الخاصة مع الملك الراحل؟

كان لكل فنان برنامجه الخاص وأغانيه التي يؤديها، وقبل كل دخول إلى "دار المخزن"، كنا نتمرن مع الجوق الملكي برئاسة المرحوم عبد السلام خشان، رئيس الفرقة آنذاك، على أربع أو خمس أغاني، على سبيل الاحتياط، وتبعا للوقت الذي سيحدد لكل مطرب، لتأدية أغنية أو اثنتين أو أكثر أمام الملك.

 الحفلات الخاصة للحسن الثاني، هل كانت تحضرها نساء القصر؟

أجل، لكن لم نكن نلتقي بهن إذ كان يفصل بيننا ستار، خلفه بناته وأسرته الذين كانوا يسمعوننا ويعرفوننا. 

 

هل كان يطرب لأغنية معينة أكثر من أخرى؟

كان يطرب لكل الأغاني، المغربية والشرقية والغربية..، فقد كان فنانا موسيقيا، إذ كان يشارك في العزف على آلة "اللورك" و "البندير"          و "الكورديون"، ولأنه كان ذكيا جدا ومضطلعا على كل المجالات كنا نناديه "جوكي".

 

بعيدا عن القصر، وارتباطا بقطيعتك مع الراحل عبد السلام عامر لفترة معينة بسبب حرمانه لك من أغاني تمرنت عليها بصوتك، لفائدة مطربين آخرين، ألم يخلق الأمر صدامات بينك وبين هؤلاء الفنانين؟

حدث ذلك في وقت سابق لمدة معينة لكن بعدها كان يأتي الصفاء.

 

صرحت قبل ذلك أنك تحتفظ بأغنية "راحلة" بصوتك، وأنك ستنشرها، هل فعلت؟

سجلتها في الأسطوانات وأخرجتها بعد ذلك، ولم أقم بإخراجها خلال تلك المرحلة.

 

هل يمكن أن تعيد إخراجها بتوزيع جديد؟

لا، أفضل النسخة الأولى، لأنها مسجلة ومغناة بشكل أفضل، حيث كنت في أوج قوتي وعطائي.

 

بعد سنوات من العطاء، عبد الهادي بلخياط من جيلك الفني اعتزل، ما رأيك؟ 

أولا، عبد الهادي بلخياط لم يعتزل، فكلما التقيته يسمعني أغنية جديدة.

كل ما هناك أن الجمهور لم يفهم قصده، حيث قال لي شخصيا إنه غير اختياراته الغنائية، وقرر أن يغني مواضيع اجتماعية، ومواضيع دينية تضم النصح والدعوة إلى الخير، بعيدا عن مواضيع "الغراميات"، لأنه لم يعد راضيا عن ذلك، احتراما لسنه الذي لا يسمح له بالغناء العاطفي. 

وهل الفكرة واردة لديك اليوم؟

أجل، على النحو نفسه الذي اعتزل به بلخياط فقد أعتزل النوع الغنائي تبعا لسني، فعمري اليوم 65  سنة، لذلك لا يمكنني مثلا تقمص شخصية مراهق وتقديم أغنية عاطفية تمثله، في حين سأستمر في تقديم عدد من الأغاني الوطنية أو الاجتماعية، أو حول قضية معينة.

 

هل كان للملك الراحل علاقة بعدم هجرتك إلى المشرق؟

الحسن الثاني كان يعتز بي، لأني شغوف بالأغنية المغربية، ولأن همي كان هو نشر الأغنية المغربية خارج الحدود، وكان يشكرني على ذلك في أوساط مختلفة، نظرا إلى التزامي بأداء الأغنية المغربية رغم كوني أجيد أداء الأغنية الشرقية، حتى خارج الحدود المغربية.

ما الفنانات التي تطربك اليوم بالأغنية المغربية ؟

كانت ولا تزال، فنانة عظيمة ما يزال صوتها يرن في أذني، وأطرب لسماعه مرارا وتكرارا، وهي نعيمة سميح التي أقدرها وأحب صوتها العظيم. وأتمنى لها الصحة والسلامة. وأتمنى من كل قلبي أن تأتي الفرصة لنشتغل على عمل مشترك ثان بعد عملنا الأول، وأن أقدم عملا لابنها شمس الدين الذي يملك صوتا مميزا كذلك.

 

بعيدا عن محمود الإدريسي الفنان، ماذا تقول لجمهورك عن الإنسان؟

تزوجت في عمر 22 سنة تبعا لرغبة والداي رحمهما الله، اللذان كانا يرغبان في تزويجي في الثامنة عشرة، وبقيت أؤجل إلى حين بلوغي 22. اليوم، أعيش حياتي بلقائي اليوم مع أبناء الشعب كباقي المغاربة، ولا أقول إن هذا مكان يليق بالفنان وهذا لا يليق. ولدي أربعة أبناء حاتم وشهرزاد ونوفل وهناء.

 

هل تأثروا بمجال اشتغالك الفني؟

درستهم الموسيقى لكني وجهتهم بعيدا عنها في رسم مستقبلهم.

 

لماذا؟

لأن هذا المجال صعب، ويحتاج إلى وقت طويل ومجهود كبير للوصول إلى المراد، فلم يكن مثل اليوم، حيث الصعود سهل بالنسبة إلى كل من يلج هذا العالم، لكن المصيبة أنه بنفس قياس الصعود تكون حدة السقوط، لأن شهرته لم تبنى على أساس نجاح متين بشكل متوالي.

 

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي