لماذا جئت قبل الموعد؟

15 أغسطس 2014 - 19:28

نعم عودني على رحيله منذ اكتشفت ملامحه تلك، وهو ملفوف ببطانية في صورة ضبابية كئيبة تبعث على المرارة وتعكس الواقع المضبب والمر لجيلنا.. ثم وهو يخوض إضرابه عن الطعام/احتضاره الطويل. ولعل كثيرين منا كانوا يحاولون كتم، أو على الأقل تجاهل، ذلك الصوت الخافت الذي كان ينذر برحيله الأخير، كلما ظهر اسمه في الصحف أو المواقع الإلكترونية، بل كلما صادفنا ذلك الاسم الآخر الذي ارتبط به، والذي رحل هو أيضا عنا قبل الوقت. فقد كان مزياني، للتذكير، واحدا من أولئك الـ13 شابا المتهمين بالضلوع في مقتل الطالب عبد الرحيم الحسناوي، بل كان آخر من تم اعتقاله. 

لم يفاجئني فعلا موت مزياني، لكن رحيله ترك هنا، في هذه المنطقة من الصدر، إحساسا ثقيلا اختلطت فيه المرارة بالسخط واليأس، لأن هذا الكائن (الذي لا أشترك معه في الكثير من أفكاره على الأرجح، ولكن أتقاسم معه بشكل أكيد «تامغربيت») مات وهو في ضيافة أطباء وممرضي مستشفيات فاس، الذين اكتفوا بتحرير وصفة الأدوية لوالده، ثم جلسوا يتأملون (عجزا أم لامبالاة لا أعرف ولا أريد أن أعرف) حياته وهي تسيل منه بهدوء طيلة 66 يوما قضاها مضربا عن الطعام.

ترك رحيله ذلك الشعور الثقيل على النفس كالزيت، لأني أحس بأن مزياني ضحية لهذا المغرب الذي كان يعتبره، على ما أعتقد، وطنه الذي لن يترك الموت يصل إليه أبدا حتى إن اعتبر القائمون عليه أفكاره «غير سليمة» أو حتى «شاذة».. كان، في إحدى ثنايا لاوعيه على الأقل، يعتبر هذه البلاد أمه، ويقول له حدس الطفولة إن الأم لا تنبذ أبناءها مهما بدر منهم من تصرفات. قد تغضب منهم وقد تعاقبهم حتى، ولكنها في الليل لا تنام حتى تطمئن عليهم واحدا واحدا. فهي لا تتركهم أبدا فريسة للضياع، فما بالك أن تسمح للموت بالاقتراب منهم. ولكن يبدو أن يدا ما خنقت حاسة الأمومة في هذا الوطن، فترك حياة أحد أبنائه تسيل على رصيف البلاد كما يسيل هذا الماء الذي تتخلص منه عاملة النظافة بلامبالاة.

ترك رحيل مزياني في نفسي هذا الشعور بالمرارة والعجز العميق، لأنه وضعني مرة أخرى أمام هذا المشهد المؤلم الذي طالما حاولت أن أشيح بوجهي عنه وأتناساه.. مشهد كائنات مغربية بالكاد تبلغ «حاء» الحياة ولكنها تفضل الموت، يأسا لا حبا. بعضها يترك ماء حياته يغيض في إضرابات لا تنتهي عن الطعام، وبعضها الآخر يسارع إلى الموت بقتل أكبر عدد من الآخرين كل الآخرين، سعيا وراء أحلام خضراء موؤودة ورغبات مكبوتة قيل لهم إنها هناك في العالم الآخر، وفئة ثالثة تستسلم للموت بنار هادئة، وتكتفي بصرف الحياة بدل عيشها.

كل هذا لأنهم لا يحسون بأنهم أفراد كاملون في فردانيتهم وإنسانيتهم. وهذه «العاهة»، التي لم يكونوا قط السبب فيها، تجعلهم عاجزين عن الوقوف في وجه الموت والنظر في عينيه والصراخ في وجهه: «لماذا جئت قبل الموعد بعشرين دقيقة؟»، على حد تعبير محمود درويش، وتجعلهم غير قادرين على الإيمان بما قال غابرييل غارسيا ماركيز في رسالة وداع الروائي قبل سنوات: «الغد يأتي دائما.. والحياة تعطينا فرصة لكي نفعل الأشياء بطريقة أفضل».

شارك المقال

شارك برأيك
التالي