خيــر وســلام !!

19 أغسطس 2014 - 23:01

تقدم نحوي شاب أنيق بلباس محترم مستفهما، لمّا أيقن أني زائر أشار بيده إلى سيدة في مقتبل العمر تحمل كراسة تحت إبطها، سرت إلى جانبها فَشَرَعَتْ تقول:

ـ هذا قصر العدالة.. مساحته كما ترى شاسعة، يضم محاكم متخصصة، بناياتها تنسجم مع طبيعة عملها، حرص مهندس البناء أن يربط جسور تواصل إلكتروني بينها جميعها، رفعت عن المرتفقين المشقة، ببوابة كل محكمة جناح للاسْتِقبال مزود بأحدث وسائل التواصل، تشتغل به أطر تتفهم رسالة عملها بدقة متناهية.

رفعت رأسي نحو لوحة ذهبية اللون كتب عليها «مكاتب القضاة» فهمت قصدي فأضافت: هذه مكاتب القضاة، النموذج الواحد منها يعكس الأخرى: ذهلت فعلا.. المكتب واسع.. مجهز أدق تجهيز، الطاولة الفسيحة، والكراسي الجلدية السوداء.. وخزانة الكتب وفي ركن من المكتب حَيِّزٌ مكاني للمطالعة، به ما يحتاجه القاضي من وسائل العمل، وَأُفْرِدتْ لِمَكَانِ وضع البذلة سمَّاعَةٌ بديعة الإتقان، التَفَتُّ إلى صاحبتي قائلا:

ـ هَل يملك القاضي أن يقْتَنِي كل هذا..مستحيل

ـ اسمع يا سيدي.. حقق القضاة بعد صراع مدير مطالبهم، نبذوا الخلافات واطمأنوا للأفضل من بينهم، وقضوا على المُتَهَافتين، أصبح لهم الأجر الأول، وأمنوا حياتهم وحياة أبنائهم ضد المرض والإعاقة والعجز، لا يحتاجون إلى تدبر حالهم أو الاعتناء غير المشروع ولا يُناقش البرلمان ولا مجلس المستشارين ميزانية القضاة، وشؤون القضاة بيَدِهمْ وِفق معايير مضبوطة….يستطيع القاضي أن يملأ استمارة لما يحتاج ويبررها فيتحقق له ما أراد، ولم يعد القضاة مُتَذَمِّرين وصدرت الأوامر أن لا يتدخل أحد في شؤون القضاة فأطمأن الناس والقضاء لما لمسوا التدبير الرشيد الذي يعرفه القطاع، قاطعت المتحدثة بالقول:

ـ والله هذا هو حال القضاة في الزمن البعيد، سبحان الله !!

 ما أراه أمامي يَخلْبُ الألبَاب: أسطول السيارات المخصصة للقضاة تملأ المرآب الإلكتروني المُجَهَّز أحسن تجهيز، المرفق الطبي جدرانه البيضاء الناصعة وأطره النشطة، المساحة الخضراء الفسيحة المشيدة بشكل دائري يسمح لكل قاض أن يستظل بفيء الأشجار المبثوثة هنا وهناك، السكينة والهدوء والهيبة تنبعث من كل الجنبات، لم تمهلني المرشدة فأضافت:

العاملون هنا من غير القضاة بدورهم خُصِّصَتْ لهم طوابق مرتبطة في ما بينهم، وتكفل للموظف الاحترام والهيبة التي يستحقها، فالعمل بالمحاكم ومع القضاة له طبيعة خاصة، وقد راعت جهة الاختصاص هذا الجانب في التدبير المحكم لتصريف الأشغال، وبالقصر أيضا جناح واسع مجهز بالوسائل التكنولوجية لاستقبال الأطر القضائية المتدربة: لكل قاض متدرب مكتب مؤقت، وهناك قاعة فسيحة للدرس وخزانة علمية تحت إشراف قضائي متخصص، لا يضطر القضاة المتدربون إلى التسكع بالأزقة والشوارع والبحث عن سكن، أنظر إلى ذلك المركب السكني الشاهق، هناك عدة مساكن تأوي القضاة المتدربين طيلة فترة تدريبهم، ولا تنسى أن مطالب القضاة بخصوص السكن أتت أكلها، فقد نص القانون على أن من دعامات استقلال القضاة وقوة السلطة القضائية أن لا يظل القضاة تحت رحمة المقاولين وتجار العقار، وأن السكن كالصحة والأجر والاستقرار ركيزة أساسية.

أبديت استحساناً وفرحا زائد بهذا الذي أرى، ومرّ من جواري شبحان يَحْمِلُ عنهما حاجب أنيق الهندام بذلتيهما: يسيران بخطوات ثابتة: شابة وشاب: محياهما يوحي بالطمأنينة والثقة يبتسمان للأمل، التفت إلى صاحبتي حتى أسألها عنهما، لم أجدها بجانبي، أردت اللحاق بها فلم أستطع، هناك حاجز ما يمنعني، كَانَ الغِطاء يَلُفُّ جسمي كاملا. انتبهت إلى نفسي: كان الظلام يلف جنبات السرير: كنت إذن أحْلمُ، قلت في نفسي: خَيْرٌ وَسَلام واستسلمت لنوم عميق !!

رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين

[email protected]

شارك المقال

شارك برأيك
التالي