لكن المحكمة لم تستدع المسؤولين عن تقرير تقصي حقائق تلك الفترة، وهم أحياء بيننا. ذلك أن اللجنة المستقلة التي وضعت التقرير وضمت عددا من كبار القانونيين والخبراء وجهت اتهاما صريحا للشرطة بالمسؤولية عن أحداث القتل التي وقعت أثناء الثورة.
ومعروف أن اللجنة ترأسها المستشار الدكتور عادل قورة، الرئيس الأسبق لمحكمة النقض، وضمت كلا من المستشار إسكندر غطاس مساعد وزير العدل، والدكتور محمد سمير بدران الأستاذ المتفرغ بحقوق القاهرة. والدكتورة نجوى خليل مدير مركز البحوث الجنائية والاجتماعية آنذاك، ووزيرة الشئون الاجتماعية لاحقا. وقد أشرف هؤلاء على جهد عشرات الخبراء والمحققين، وأعدوا تقريرهم خلال شهرين ونصف الشهر، وقدموه إلى رئيس الوزراء آنذاك الدكتور عصام شرف (في 18/4/2011)، وقد نص التقرير في مواضع عدة على ما يلي: تبين للجنة أن رجال الشرطة أطلقوا أعيرة مطاطية وخرطوشا وذخيرة حية في مواجهة المتظاهرين أو بالقنص من أسطح المباني المطلة على ميدان التحرير ــ إن إطلاق الأعيرة النارية لا يكون إلا بموجب إذن صادر من لجنة برئاسة وزير الداخلية وكبار ضباط الوزارة ــ تبين للجنة أن سيارات مصفحة للشرطة كانت تصدم المتظاهرين عمدا وتصيب أعدادا منهم ــ دلت شواهد وقرائن عدة على أن الشرطة استعملت القوة المفرطة في مواجهة المتظاهرين (أورد التقرير خمس قرائن أيدت ذلك الادعاء).
فى التقرير كلام آخر مهم تعلق بالعديد من الأحداث التي وقعت آنذاك (موقعة الجمل وفتح السجون مثلا). وهذا الكلام يختلف بصورة جذرية عما تردد على ألسنة الشهود في قاعة المحكمة، الأمر الذي كان يفترض أن يوضع بين يدي المحكمة التي نظرت القضية وهي تمحص الوقائع لتصدر حكمها العادل. لكن الذي حدث أن شهادات الإدانة حجبت كلها ولم يسأل الذين سجلوها بالتحقيقات والتحريات، في حين استمعت المحكمة إلى وجهة نظر واحدة، عبرت عن القراءة اللاحقة للأحداث في مرحلة ما بعد 30 يونيو. وهي القراءة التي صاغتها الأجهزة الأمنية بعدما استعادت دورها الذي تراجع بعد ثورة 2011. وظل شغلها الشاغل هو كيف يمكن تبرئة الشرطة من الجرائم التي وقعت أثناء الثورة، بعد دفن وإخفاء تقرير لجنة تقصي الحقائق الذي أدانها وحملها المسؤولية عن كل تلك الجرائم (…)
ما أريد أن أخلص إليه من استدعاء هذه الخلفية أننا في مصر وغيرها من الدول التي يتراجع فيها سقف الحريات العامة، نقيم هياكل ومشروعات وأنشطة أفرزتها خبرة المجتمعات الديمقراطية. بمعنى أن تلك المجتمعات وضعت أساس البناء الديمقراطي أولا المتمثل في إطلاق الحريات العامة وتحقيق الفصل بين السلطات والاحتكام إلى مرجعية المؤسسات والقانون، وليس أهواء الأفراد وأمزجتهم. ثم بعد ذلك تفرعت عن ذلك البنيان قيم وأنشطة عدة (…) والأزمة الحقيقية لمجتمعاتنا تتمثل في أننا نحاول أن نقيّم تلك الهياكل ونفعّل تلك الأنشطة بمعزل عن الأساس الذي يتعين إقامته أولا. كأننا نبني «عمارة» بغير أساس. فنقبل برفع راية الديمقراطية ونحتفي بمنجزاتها في غيبة قيمها ووظيفتها الحقيقية.
نموذج أحداث الثورة دال على ذلك. فحين ارتفع سقف الحريات عاليا أثناء الثورة وفي ظل الانتشاء بإسقاط النظام السابق عليها، قُرئت الوقائع بصورة مستقلة، وتقصي حقائقها قضاة وخبراء محايدون أشادوا بالثورة واحتفوا بها في تقريرهم. ولكن سقف الحريات حين انخفض جرى تجاهل كل ما سبق وأعيدت صياغة الأحداث على نحو مختلف تماما، روعيت فيه موازين القوى في الوضع المستجد.(…)
إن قضية الحريات العامة هي الأساس الذي ينبغي إرساؤه والدفاع عنه. وهي العنوان الذي ينبغي أن يحظى بأولوية وإجماع كل المناضلين. وما لم تتوفر تلك الحريات بضماناتها، فإننا لا نستطيع أن نثق أو نطمئن إلى نزاهة مختلف الممارسات التي تجري في الفضاء السياسي والإعلامي أو حتى في ساحات القضاء والنيابة. وذلك ما دفعني إلى الاعتذار عن عدم الاستجابة للدعوة التى وجهت إليّ للشهادة أمام لجنة تقصي حقائق أحداث 30 يونيو، إذ اعتبرت أن ذهابي هو نوع من تضييع وقت اللجنة ووقتي. خصوصا أنه توفرت لدينا خبرة تسمح لنا بأن نتنبأ بما ستخلص إليه تلك اللجنة، تماما كما حدث مع اللجنة القومية لحقوق الإنسان، التي أصبح بمقدورنا أن نلخص رأيها في أي قضية قبل أن تشرع في كتابته.