في البدء
أفضى حوار الحكومة مع المنظمات النقابية التعليمية في مرحلة أولى إلى عدة مخرجات من أهمها ما صرح به رئيس الحكومية عبر وسائل الإعلام الرسمية من تجميد للمرسوم رقم 2.23.819 في شأن النظام الأساسي الخاص بموظفي قطاع التربية الوطنية، وفي مرحلة موالية تم التوقيع على محضر اتفاق بين الحكومة والنقابات التعليمية الأكثر تمثيلية بقطاع التربية الوطنية – الإجراءات ذات الأثر المالي-بتاريخ 10 دجنبر 2023.
وكرد فعل على استعمال رئيس الحكومة لكلمة «التجميد »، أفاد البعض بأن التجميد مصطلح تجهله المنظومة القانونية المغربية، وفي مواجهة محضر 10 دجنبر 2023 صَرَّح بعض المنتمين للتنسيقيات برفضهم لهذا المحضر مُوضِّحين بأن أَهَم مطلب أساسي يَهُمهُم يتمثل في ضرورة سحب المرسوم رقم 2.23.819 وليس في تجميده، مما يجرنا لِحَصْر التساؤل عن إمكانية إعمال السحب أم التجميد(أولا)؟ وإذا تعذر ذلك لِتَعِلاَّت قانونية، هل تظل هناك إمكانية تعديل المرسوم المعني أو نسخه مع تِبْيَان الآثار المترتبة عن ذلك (ثانيا)؟
أولا: التجميد والسحب
1- التجميد
نتفق في أمر لا يتناطح فيه عنزان في كون التجميد كلمة غريبة عن المنظومة القانونية المغربية. وقد يحيل التجميد إلى توقيف أو تعطيل العمل بمقتضيات المرسوم رقم 2.23.819 ..لكن بما أن هذا المرسوم نُشِر بالجريدة الرسمية تحت عدد7237 بتاريخ 9 أكتوبر2023 وأصبح نافذ المفعول وواجب التطبيق في حدود مجال سريانه فإن القول بتجميده لا يستقيم قانونا.
وبناء عليه طالب البعض بسحب المرسوم المعني بدلا من تجميده، مما يفضي إلى التساؤل عن مجال إعمال السحب؟ وعن الإمكانية القانونية لسحب المرسوم المتعلق بالنظام الأساسي الخاص بموظفي قطاع التربية الوطنية؟
2- مجال إعمال السحب
إن السحب يتعلق فقط بمشاريع قوانين (أ) وبقرارات إدارية(ب).
(ا)-سحب مشاريع قوانين
لئن كانت القوانين السارية المفعول المنشورة في الجريدة الرسمية لا يمكن سحبها وتخضع فقط للنسخ أو التعديل (التعديل يشمل إما التغيير أو التتميم أو هما معا)، فإن مشاريع القوانين المُقدَّمة للبرلمان يمكن سحبها من طرف رئيس الحكومة من البرلمان باعتبار أن الحكومة هي صاحبة الاختصاص الدستوري في سحب مشاريع القوانين المعروضة على البرلمان.
والأساس الدستوري لسحب مشاريع قوانين يتمثل في الفقرة الأولى من الفصل 78 من الدستور الذي ينص على أنه « لرئيس الحكومة ولأعضاء البرلمان على السواء حق التقدم باقتراح قوانين »، بما يفيد بأن لرئيس الحكومة حق المبادرة التشريعية بواسطة مشاريع قوانين ولأعضاء البرلمان ذات الحق عبر مقترحات قوانين.
وإعمالا لقاعدة توازي الاختصاص فالجهة التي لها حق المبادرة والتقدم بمشاريع قوانين أمام البرلمان تملك حق سحبها وفق شروط معينة.
(ب) سحب قرارات إدارية
السحب من الوسائل المستعملة لإنهاء حياة القرارات الإدارية، ويقصد بالسحب(Retrait) وضع حد للقرار في الماضي والمستقبل أي إعدام القرار منذ ولادته واعتباره كأنه لم يكن قط ( انظر محمد مرغيني، المبادئ العامة للقانون الإداري المغربي والمقارن، الطبعة الثانية، الجزء الثاني، سنة 1980 ، ص 338 وما بعدها).
وإذا كان يندرج ضمن اختصاص قضاء الإلغاء بالمحاكم الإدارية (القانون رقم 41.90 المحدث بموجبه محاكم إدارية) إلغاء قرارات إدارية عند نظرها في نزاع معروض أمامها، فإن الإدارات يمكنها سحب بعض قراراتها الإدارية الفردية مما يشي بتخويلها سلطة سحب قرارات سبق أن اعتمدتها.
لكن حمايةً لحقوق الأفراد من تعسف السلطة الإدارية بسحبها بدون مبرر لقرارات سبق أن اتخذتها فإن المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا، حيث حلت عبارة « محكمة النقض » محل عبارة « المجلس الأعلى » بموجب القانون رقم 58.11 بتاريخ 25 أكتوبر 2011 المتعلق بمحكمة النقض ) في قرار له تحت رقم 63 بتاريخ 2 مارس 1979 نص على أنه » …إذا كان سحب المقرر الإداري ناشئا عن عدم المشروعية المستوجبة للإلغاء من أجل الشطط في استعمال السلطة فيجب أن يصدر ذلك السحب داخل أجل الطعن أمام المجلس الأعلى ماعدا في حالة استعمال المعني بالأمر مناورات تدليسية للحصول على المقرر المطعون ».
ويتبين من هذا المقرر أن هناك شرطين أساسين يجب على الإدارة مراعاتهما مسبقا قبل سحبها لمقرر إداري خول للمستفيد منه وضعية إدارية معينة:
– يجب أن يكون المقرر مشوبا بعدم المشروعية المستوجبة للإلغاء من أجل الشطط في استعمال السلطة،
– يجب أن يصدر هذا السحب داخل أجل الطعن بالإلغاء أمام محكمة النقض (انظر بهذا الخصوص منشور رقم 21 و.ع بتاريخ 14 أكتوبر 1980، مصنف المناشر الإدارية الصادر عن وزارة تحديث القطاعات، يونيو 2004).
ويستنتج مما سبق عدم إمكانية تجميد المرسوم رقم 2.23.819 باعتبار التجميد مصطلح غريب عن المنظومة القانونية، ويتعذر سحبه أيضا لكون السحب يتعلق فقط بمشاريع القوانين المقدمة للبرلمان وبالقرارات الإدارية…وبالتالي فإن سؤالا يفرض نفسه ..ما هو الحل لاسيما أن النص القانوني بمفهومه العام (النص التشريعي والنص التنظيمي) يمكن تعديله أو نسخه؟
ثانيا: التعديل والنسخ
1- التعديل
إن المرسوم رقم 2.23.819 المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 9 أكتوبر 2023يمكن أن يكون موضوع تعديل عبر التغيير أو التتميم أو هما معا، لكن تعديل أي نص يفترض تحديد المقتضيات موضوع هذا التعديل والاتفاق على مضمون التعديل وحدوده، مما يستلزم حوار قطاعي بين الفرقاء المعنيين بهذا التعديل يتطلب مساحة زمنية محددة لتحقيقه، وبالتالي فإن مقولة التعديل… الآن وفورا …لا تستسيغه الإجراءات والمساطر القانونية.
2- النسخ
إن النسخ آلية قانونية يعمل بها لنسخ نصوص تشريعية أو تنظيمية أو مقتضيات منها… وَهَبْ أنه تم اعتماد مرسوم جديد ينسخ المرسوم رقم 2.23.819 فإننا نكون أمام إحدى وضعيتين:
(ا) دوامة النشر والنسخ
تفاديا لفراغ تشريعي يتعين النص في مرسوم جديد على نسخ المرسوم رقم 2.23.819 وعلى العمل بالمرسوم رقم 2.02.855 بتاريخ 10 أبريل 2003 المنسوخ والذي كان موضوع انتقادات من لدن الفرقاء الاجتماعيين …وفي وقت لاحق بعد انتهاء الحوار القطاعي يتم اعتماد مرسوم جديد ينسخ مرسوم 10 أبريل 2003 .. مما يدخلنا في دوامةٍ ..بدايةً تَمَّ نسخُ مرسوم 10 ابريل 2003 بموجب المرسوم رقم 2.23.819 الذي يُقترح نسخه بدوره للعمل بمرسوم 10 أبريل 2003 يُنسخ بدوره أيضا وحتما بمرسوم جديد مصادق عليه من جميع الفرقاء …في حين لا يجب أن يغرب عن ذهننا أن هذه المراسيم المرتبطة بنفس الموضوع يتعين إدراجها والمصادقة عليها في مجالس حكومية ثُم نشرها بالجريدة الرسمية في مساحة زمنية قصيرة …وهي دوامة يَتَنزَّه عن ولوجها منطق العمل الحكومي…
(ب) نسخ المرسوم رقم 2.23.819
إن الاكتفاء بنسخ المرسوم رقم 2.23.819 موضوع النزاع يحيل على فراغ تشريعي وانعدام إطار قانوني ينظم الوضعيات الإدارية لموظفي قطاع التربية الوطنية، لأنه قد تقوم وضعيات يتعين تنظيمها قانونا خلال هذه الفترة الانتقالية، من تاريخ نسخ المرسوم رقم 2.23.819 إلى غاية اعتماد نظام أساسي خاص جديد، وأي تأخير في معالجة هذه الوضعيات يلحق ضرارا بالموظفين المعنيين (من قبيل الحق في الإلحاق او الاستفادة من وضعية الاستيداع..الخ)
إذن على المستوى القانوني أو الإجرائي الصرف يتعذر التجميد والسحب والتعديل والنسخ للأسباب المبينة أعلاه…لكن الانتقال إلى المستوى السياسي يمكن أن يساعد في البحث عن مخرج لحكاية التجميد والسحب.
في الختم
إذا كان المقصود من التجميد (على المستوى السياسي) هو توقيف أو بعبارة أوضح تعطيل تفعيل المرسوم رقم 2.23.819 موضوع النزاع برمته …فإنه يتعذر تعطيل جميع مقتضياته، ويمكن بالمقابل (ودائما على المستوى السياسي، أما من المنظور القانوني الصرف فإن المرسوم واجب التنفيذ من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية) تعطيل العمل ببعض مواد أو فقرات مواد المرسوم المختلف بشأنها…مع سريان بقية المواد غير المتنازع فيها حتى لا يتم السقوط في فراغ تشريعي واقعي وليس قانوني.
وهذا التجميد أو التوقيف أو التعطيل لا يعدو إلا أن يكون التزاما سياسيا وليس موقفا قانونيا.. وعلى الجهات المعنية من هذا الطرف أو الآخر الحرص على التطبيق السليم لهذا الالتزام السياسي ضمن حدود زمنية محددة بغاية الخروج من عنق الزجاجة واعتماد نظام أساسي خاص بموظفي قطاع التربية الوطنية متفق عليه من لدن جميع المعنيين…
وهذا التحليل لا يتوخى الدفاع عن موقف جهة معينة…بقدر ما هو دفاع عن المنطق القانوني ليس إلا.
شريط الأخبار
وفاة الصحفي في القناة الأولى شهاب زريوح
فركوس يعود إلى القاعات السينمائية بفيلم “الخطّابة” تكريماً لفضيلة بنموسى
مراد أسمر يطرح جديده الغنائي « راجع لي تاني » بروح شعبية عصرية
نقابة العدول التابعة لحزب الاستقلال تُنوه بالمعارضة جراء إحالتها مشروع قانون المهنة على القضاء الدستوري
وعكة صحية تُدخل عادل بلحجام غرفة العمليات
أولمبيك الدشيرة يعلن فك الارتباط مع المدرب مراد الراجي بالتراضي
المركز الروسي للعلم والثقافة بالرباط يحتفل بالذكرى81 لانتصار الشعب السوفيتي
القناة الأولى تراهن على الدراما التراثية من خلال سلسلة « بنت_الجنان »
ندوة دولية بالدار البيضاء تضع الهجرة تحت مجهر البحث الأكاديمي
2500 درهم لحضور حفل وائل جسار بالدار البيضاء يثير الجدل
النظام الأساسي الخاص بموظفي قطاع التربية الوطنية بين التجميد والسحب
17/12/2023 - 09:36