لم يكن الجواب الذي قدمه وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، تحت قبة البرلمان رداً على ملاحظات المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، مجرد تصريح عابر في سياق السجال السياسي المعتاد، بل كان تكثيفاً لمنطق غريب يسعى لإعادة كتابة تاريخ الممارسة الانتخابية بالمغرب بمداد القفز على الحقائق.
ففي محاولة للهروب إلى الأمام، اختار المسؤول الأول عن أم الوزارات أن يختزل إشكالاً قانونياً ودستورياً عميقاً، يتعلق بسلامة العملية الانتخابية وشفافيتها، في « نفسية المنهزم »، معتبراً أن مطالبة الحزب بمحاضر التصويت هي مجرد بكائية لا تحضر إلا عند الخسارة، وأن الأمور تكون بخير عند الفوز.
إن هذا المنطق التبسيطي الذي ساقه الوزير لا يصمد لحظة واحدة أمام اختبار الوقائع العنيدة، ويكشف عن ذاكرة انتقائية تحاول القفز على خطيئة 8 شتنبر 2021. فالتاريخ القريب، الذي لم يجف مداده بعد، يشهد أن ما حدث في تلك الانتخابات لم يكن مجرد خسارة حزب سياسي، بل كان مجزرة إجرائية ضربت في الصميم مصداقية العملية برمتها. لقد تناسى السيد الوزير، أو تجاهل عمداً، أن الإشكال لم يكن فقط في النتيجة بحد ذاتها، بل في تغييب الدليل الوحيد الذي يضفي الشرعية على تلك النتيجة. فكيف يستقيم حديث الوزير عن روح الديمقراطية في وقت شهد فيه المغاربة سابقة لم تحدث حتى في أحلك السنوات من تاريخنا السياسي، تمثلت في حجب جزء كبير من المحاضر ليس عن المراقبين العاديين فحسب، بل حتى عن رئيس الحكومة آنذاك والأمين العام للحزب الذي كان مرشحاً بدائرة المحيط بالرباط، وكذا عن باقي مرشحي الحزب بمختلف المدن والدوائر ومنها دائرة سلا المدينة التي كنت مرشحا بها. هل يُعقل في دولة المؤسسات أن يُمنع رئيس السلطة التنفيذية من وثيقة تثبت عدد الأصوات التي حصل عليها؟ إن استحضار هذه الواقعة ليس اجتراراً للماضي، بل هو دحضٌ عملي لمزاعم الوزير؛ فالحزب لم يحتج لأنه خسر، بل احتج لأن الأدوات القانونية للتحقق من الخسارة أو الفوز صودرت قسراً.
أما محاولة الوزير قلب المعادلة بالقول إن الحزب كان يبادر لإعلان النتائج في السابق لأنه يفوز، فهي محاولة لليّ عنق الحقيقة وتزييف لوعي المتلقي. إن المغاربة يتذكرون جيداً أن مبادرة العدالة والتنمية لإعلان النتائج في استحقاقات 2011 و2015، ولا سيما قبل صدور البلاغ الرسمي للداخلية سنة 2016، لم تكن ترفاً ولا استعلاء، بل كانت سلوكاً سياسياً اضطرارياً نابعاً من « حاسة سابعة » استشعرت روائح غير طبيعية ومحاولات للعبث بالإرادة الشعبية في جنح الظلام وبعد تأخر مريب في الإعلان الرسمي. لقد كان الحزب يبادر لقطع الطريق على المؤامرة وسد المنافذ على مهندسي النتائج، لأنه ببساطة كان يتوفر على سلاح الردع الوحيد: محاضر التصويت الموقعة. كان، يملك الحقيقة بين يديه، ولذلك كان يعلنها.
في المقابل، كان صمت الحزب ليلة 8 شتنبر 2021، وعدم مبادرته لإعلان النتائج، نتيجة حتمية لتجريده من هذا السلاح. فكيف يعلن عن نتائج حُجبت عنه محاضرها؟ إن الامتناع الممنهج عن تسليم المحاضر في تلك الليلة الليلاء كان هو المؤشر الأكبر على أن ما يُطبخ لا علاقة له بالديمقراطية، وأن النتيجة التي ستخرج من الصناديق لن تكون بالضرورة هي التي دخلت إليها.
إن ربط الوزير لفتيت بين الاحتجاج القانوني ونتيجة الفوز أو الخسارة هو تكريس لمنطق خطير يجعل من وزارة الداخلية المانح للمقاعد بدل أن تكون المؤتمن على أصوات الناخبين. إن الديمقراطية الحقة لا تقاس برضا الأحزاب عن النتائج، بل بتوفر الضمانات القانونية التي تجعل الخاسر يقتنع بخسارته والفائز يطمئن لفوزه بناءً على وثائق دامغة لا تقبل الشك. أما حين تغيب المحاضر، وتُحجب المعطيات، ويُطلب من الفاعل السياسي أن يصمت « تأدباً » أو يُتهم بأنه لا يقبل قواعد اللعبة، فهنا نكون أمام ديمقراطية الواجهة، وأمام منطق سلطوي يرى في القانون مجرد إزعاج يجب التخلص منه عند الضرورة.
ختاماً، يجب التذكير بأن المحاضر ليست مجرد أوراق تقنية، بل هي شهادة ملكية الشعب لأصواته. وعندما يطالب حزب سياسي بها، فهو لا يدافع عن مقاعده، بل يدافع عن حرمة الصوت الانتخابي وعن المعنى الحقيقي للاختيار الحر. وتصريح الوزير، بكل حمولته التبريرية، لن ينجح في طمس حقيقة أن انتخابات بلا محاضر هي أقرب للتعيين منها إلى التصويت، وأن الصراخ طلباً للقانون ليس بكائية بل هو واجب وطني في وجه من يريدون تحويل الديمقراطية إلى طقس صامت بلا شهود.