البيعة في المغرب: بين الشرعية الرمزية والدولة الحديثة

البيعة في المغرب: بين الشرعية الرمزية والدولة الحديثة

في النقاشات السياسية المعاصرة حول طبيعة الشرعية في المغرب، غالبًا ما تُختزل البيعة في بعدها الطقوسي أو الديني، باعتبارها ممارسة تقليدية مرتبطة بتاريخ الملكية. غير أن دراسة أكاديمية حديثة، بعنوان «حين تكتب البيعة سيرة الدولة: شرعيات المغرب وامتداداتها في الصحراء المغربية»، تذهب في اتجاه مغاير تمامًا، وتقدم البيعة كمكوّن مركزي في فهم بنية الدولة المغربية نفسها.
هذه الدراسة، التي أنجزها الباحثان عبد الرزاق المسكي وأشرف الطريبق، تقترح قراءة تحليلية تتجاوز المقاربات الانطباعية، وتضع البيعة في قلب النظرية السياسية المغربية، باعتبارها آلية رمزية وفوق–دستورية لإنتاج الشرعية.
شرعية لا تُختزل في الدستور
وفق قراءة الباحثين، لا يمكن فهم الدولة المغربية فقط من خلال نصوصها الدستورية، بل عبر طبقات أعمق من الشرعية المتراكمة تاريخيًا.
فالبيعة، في التجربة المغربية، ليست لحظة احتفالية فقط، بل بنية سياسية متجذرة، تعيد إنتاج العلاقة بين المجتمع والسلطة، بين المركز والأطراف، وبين الدين والسياسة.
وهنا يبرز مفهوم إمارة المؤمنين باعتبارها نقطة التقاء بين الرمزي والمؤسساتي، بين الشرعية الدينية والوظيفة الدستورية. فهي ليست مجرد مؤسسة دينية، ولا مجرد اختصاص دستوري، بل آلية لإعادة إنتاج الشرعية وتثبيت الاستمرارية التاريخية للدولة.
خصوصية مغربية مقارنة بالملكيات الأوروبية
تقارن الدراسة التجربة المغربية بنماذج ملكية أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، لتخلص إلى أن البيعة في المغرب ليست مجرد بقايا تقليدية، بل تمثل صيغة مختلفة للشرعية السياسية.
ففي حين تقوم الملكيات الأوروبية الحديثة على شرعية قانونية–مؤسساتية صرفة، يحتفظ المغرب بمستوى إضافي من الشرعية يتمثل في البعد الرمزي والتاريخي، حيث تستمر السلطة في تغذية مشروعيتها من طقس البيعة، ومن امتدادها في الذاكرة الجماعية، لا فقط من صناديق الاقتراع أو النصوص القانونية.
البيعة والصحراء: شرعية قبل أن تكون ملفًا سياسيًا
أحد أهم جوانب هذه الدراسة يتمثل في معالجتها لعلاقة البيعة بالصحراء المغربية.
فالكاتبان يؤكدان أن ارتباط الصحراء بالمغرب لم يبدأ مع المسار السياسي الحديث أو مع النزاع الدولي، بل يعود إلى قرون سابقة، حين كانت القبائل الصحراوية تقدم البيعة للسلاطين العلويين، معتبرة نفسها جزءًا من المجال السياسي المغربي.
وتستند الدراسة إلى وثائق تاريخية ومخزنية، فضلًا عن رأي محكمة العدل الدولية الصادر سنة 1975، الذي أقر بوجود روابط ولاء بين السلاطين المغاربة وقبائل الصحراء، ما يمنح للبيعة بعدًا قانونيًا دوليًا، يتجاوز الخطاب السياسي الظرفي.
البيعة كعنصر استقرار
في زمن تتسم فيه العديد من الأنظمة السياسية بالهشاشة، تقدم التجربة المغربية، وفق هذا التحليل، نموذجًا خاصًا للاستقرار، قائمًا على الجمع بين التاريخ والمؤسسات، بين الرمز والدستور.
فالبيعة، بدل أن تكون عبئًا على الحداثة السياسية، أصبحت إحدى أدوات تأطيرها، وعاملًا من عوامل تماسك الدولة، من خلال قدرتها على تجديد معناها عبر الزمن دون أن تفقد جذورها.

 

شارك المقال