توقيف استطلاع رأي حول معاداة السامية بالجامعة الفرنسية بعد جدل أخلاقي وأكاديميي

22/12/2025 - 13:00
توقيف استطلاع رأي حول معاداة السامية بالجامعة الفرنسية بعد جدل أخلاقي وأكاديميي

تم توقيف مشروع استطلاع رأي  وطني حول معاداة السامية داخل مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي في فرنسا، كان يشرف عليها مركز الأبحاث السياسية بمعهد العلوم السياسية (سيفيبوف – Cevipof)، وذلك بعد موجة واسعة من الاعتراضات داخل الأوساط الجامعية والنقابية، واتهامات متبادلة بين من اعتبر المشروع ضرورة علمية، ومن رأى فيه عملاً متسرعًا ومشحونًا سياسياً.
الاستطلاع أطلق في أبريل الماضي ضمن برنامج بحثي بدعم من وزارة التعليم العالي الفرنسية، يديره تقنياً معهد “إيفوب” المتخصص في استطلاعات الرأي، وقد هدف إلى قياس مظاهر معاداة السامية داخل الجامعة الفرنسية خصوصًا في صفوف الأساتذة والباحثين. غير أن مسار هذا المشروع تعثر، لينتهي بتعليقه رسميًا قبل أن ترى نتائجه النور.

الأزمة تفجّرت منتصف نونبر، حين توصل رؤساء الجامعات برسالة رسمية تدعوهم إلى تعميم رابط استبيان على العاملين بمؤسساتهم، يشمل أسئلة تتعلق بالسن، والنوع، والمستوى التعليمي، والانتماء المهني، إضافة إلى أسئلة حول الدين، والمواقف السياسية، ومعاداة السامية، وإسرائيل، والنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني.
ورغم أن القائمين على الدراسة أكدوا أن الهدف علمي بحت، وأن الاستبيان يحترم قواعد البحث الأكاديمي، فإن ردود الفعل جاءت سريعة وقوية. فقد اعتبر منتقدو المشروع أن الاستبيان يتضمن “جمعًا لمعطيات حساسة”، وقد يؤدي إلى “تصنيف سياسي وأيديولوجي” للأساتذة، في سياق متوتر تعيشه الجامعات الفرنسية منذ أحداث 7 أكتوبر 2023.

في 22 نونبر، نشر تجمع جامعي يُدعى “Rogue ESR” بيانًا شديد اللهجة يطالب بإلغاء الاستطلاع، واصفًا إياها بـ”الهجومية” و”المرتبطة بخطاب حكومي ذي خلفية يمينية متطرفة”. وسرعان ما توسعت دائرة الاعتراض، حيث وقّع أكثر من 3800 جامعي على عريضة رُفعت لاحقًا إلى مجلس الدولة الفرنسي.
الاعتراضات لم تقتصر على المنهجية، بل شملت اتهامات مباشرة لوزارة التعليم العالي بمحاولة “توظيف سياسي” لموضوع حساس، وربط معاداة السامية بمواقف نقدية من إسرائيل أو بدعم القضية الفلسطينية، وهو ما اعتبره معارضو المشروع “خلطًا إيديولوجيًا خطيرًا”.
في مقابل ذلك، دافع عدد من الباحثين والخبراء عن مبدأ البحث، معتبرين أن معاداة السامية داخل الجامعة “واقع لا يمكن إنكاره”، وأن رفض البحث فيه يعكس “عجزًا عن مواجهة الحقيقة”. وأكد بعضهم أن الأسئلة الواردة في الاستبيان ليست جديدة، بل استُعملت سابقًا في دراسات وطنية حول العنصرية، بما فيها تلك التي أجراها “إيفوب” بشراكة مع مؤسسات معنية بذاكرة المحرقة.
كما اعتبر هؤلاء أن الجدل الدائر يعكس “رفضًا للتفكير في معاداة اليهود داخل الوسط الجامعي”، خاصة في ظل تصاعد خطاب عدائي منذ أكتوبر 2023، وانتقال بعض أشكال العداء من اليمين المتطرف إلى أقصى اليسار، وفق توصيف عدد من المختصين.

إلى جانب السجال السياسي، أثيرت إشكالات قانونية مرتبطة بحماية المعطيات الشخصية، واحترام المقتضيات الأوروبية المتعلقة بحماية البيانات (RGPD). وأشارت منظمات حقوقية إلى أن تمرير الاستبيان عبر التسلسل الإداري قد يخلق التباسًا لدى المجيبين، ويمس بمبدأ “الرضى الحر والمستنير”.
كما حذّر خبراء في علم الاجتماع من مخاطر منهجية، من بينها إمكانية تسريب رابط الاستبيان خارج الوسط الجامعي، ما قد يؤدي إلى تلوث العينة، وفقدان مصداقية النتائج.

أمام هذه الاعتراضات، تقرر تعليق الدراسة نهائيًا، دون الإعلان عن بديل أو عن إعادة صياغة المشروع. قرار زاد من حدة الانقسام داخل الجامعة الفرنسية، بين من يرى في التعليق انتصارًا للأخلاقيات الأكاديمية، ومن يعتبره رضوخًا لضغوط أيديولوجية.

شارك المقال