حسن الهيثمي*
تعيد إحالة الحكومة مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول على مجلس النواب، في أفق الشروع في مناقشته، إثارة إشكالية جوهرية تتعلق بعدم احترام المُشرّع للمادة 19 من القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، التي تنص صراحة على إرفاق مشاريع القوانين الرامية إلى سن تشريع جديد أو مراجعة تشريع قائم بدراسة الأثر. ويُعد هذا المقتضى من بين المستجدات النوعية التي استهدفت الارتقاء بمسطرة التشريع وربطها بالتقييم المسبق للآثار القانونية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية للنصوص المقترحة.
ورغم تصريح الحكومة، خلال اجتماع مجلسها المنعقد بتاريخ 20 نونبر 2025، بأن مشروع هذا القانون يكتسي « أهمية خاصة »، فإنها لم تُفعّل السلطة التقديرية المخولة لرئيس الحكومة بموجب القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة، والتي تخوله اتخاذ قرار إنجاز دراسة أثر لمشاريع القوانين التي تتسم بهذه الأهمية. ويطرح هذا التناقض تساؤلات مشروعة حول معايير تقدير « الأهمية الخاصة »، وحول مدى انسجام الخطاب السياسي المصاحب للنص مع متطلبات الحكامة التشريعية.
ويُفترض، في هذا الإطار، أنه لو تم إنجاز دراسة أثر لهذا المشروع، لكان من الممكن تفادي التوتر الذي أثاره ولايزال في أوساط المهنيين، والذي بلغ حد المطالبة بالسحب الفوري للنص من مسطرة التشريع، كما كان من شأن دراسة الأثر إبراز المؤهلات والضمانات القانونية التي يتوفر عليها العدول، والتي تخول لهم القيام بمهمة توثيق المعاملات العقارية بمختلف أنواعها.
لا تكتسي دراسة الأثر من حيث المبدأ، طابعا إلزاميا مطلقا، غير أن الدليل العام الذي أعدته الأمانة العامة للحكومة بشأن دراسات الأثر للنصوص التشريعية يؤكد أن الإلزامية يجب أن تكون متناسبة مع الغرض من النص وأهميته. وهي الأهمية التي أكدتها الحكومة صراحة، كما سبق التأكيد عليها من قبل عبد اللطيف وهبي وزير العدل عندما كان برلمانيا، حيث انتقد، في مقال له منشور سنة 2015 ضمن كتاب جماعي، إحالة النصوص التشريعية دون دراسات ملحقة أو تحليل لأهدافها وطبيعتها، معتبرا أن ذلك يؤدي إلى إنتاج نصوص جامدة وانتقائية، ويُفضي في النهاية إلى تعثر العملية التشريعية وإفراغ النقاش البرلماني من أبعاده القانونية والسياسية العميقة.
ويزداد هذا التأكيد باستحضار البلاغ الصادر عن مجلس الحكومة عقب المصادقة على هذا النص، والذي أقر بالدور المحوري الذي يضطلع به العدول في منظومة العدالة، لا سيما في توثيق الحقوق والمعاملات، والحفاظ على أعراض الناس وأنسابهم، وتحقيق الأمن التعاقدي.
كما يكتسي مشروع القانون أهمية، بحسب البلاغ ذاته، إلى مراجعة القانون رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة، والذي مضى على صدوره أكثر من عشرين سنة، وهو ما يستدعي، منطقيا، تقييما دقيقا لآثار التعديلات المقترحة على التوازنات المهنية والاقتصادية والقانونية القائمة.
إن المتأمل في بلاغ مجلس الحكومة، سيلحظ، في فقرته الأولى عبارة تفيد بأن مشروع القانون أُعد « أخذا بعين الاعتبار الملاحظات المثارة »، وهي عبارة تفيد ضمنيا تدخل جهة ما في مراجعة مسودة مشروع القانون سواء بالإضافة أو الحذف. وتعزز هذه العبارة الحاجة إلى دراسة أثر تكشف هوية هذه الجهة سيما أن أصابع الاتهام تشير إلى الموثقين، وتوضح خلفيات حذف مقتضيات أساسية من أبرزها آلية الإيداع، وما يترتب عن حرمان العدول منها من خطر حقيقي على أموال المتعاقدين، فَضْلا عن إقصاء العدول من توثيق العقار المُحفظ والسكن المدعم. وهو ما يطرح إشكالا دستوريا متعلقا بمبدأ المُساواة بين مهنيي التوثيق، خاصة وأن التوثيق العصري يتوفر على هذه الآلية، بما يمكنه من استقطاب المستثمرين والمنعشين العقاريين والشركات، على نحو يُخل بتكافؤ الفرص بين التوثيق العصري وبين التوثيق العدلي.
*عدل باستئنافية الرباط وباحث في القانون