●ألقيت هذه المداخلة خلال اليوم الوطني للذكاء الاصطناعي في المغرب الذي نظمته وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة في 12 يناير بالرباط.
يسعدني أن أتدخل في هذه الندوة رفيعة المستوى، المخصصة لتقديم مشروع “الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب” باعتباره رافعة للتحول الرقمي وتحديث الخدمات العمومية.
وأود، في البداية، أن أتقدم بخالص الشكر للسيدة الوزيرة أمل الفلاح السغروشني على دعوتها الكريمة لي للمشاركة في هذا اللقاء، الذي يكتسي أهمية محورية بالنسبة للمستقبل الرقمي للمملكة المغربية.
إن تقديم مشروع “الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب” يأتي في وقته المناسب، في سياق دولي يتسم بالتسارع غير المسبوق لتطورات الذكاء الاصطناعي. ويمكن إبراز أهمية هذه المبادرة المغربية من خلال ثلاثة تطورات أساسية:
أولًا: يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي انتقالًا فعليًا إلى مرحلة التصنيع واسع النطاق، ولم يعد الأمر مجرد تقديرات أو احتمالات، بل واقعًا مؤكدًا، حيث تجاوزت الاستثمارات الخاصة 202 مليار دولار سنة 2025. كما انتقلت نماذج التعلم الآلي من أنظمة تعتمد على مليارات المعاملات الحسابية سنة 2022، إلى نماذج تتجاوز التريليونات. وبلغ معدل نمو القدرة الحسابية للحواسيب العملاقة المخصصة للذكاء الاصطناعي نحو 150% سنويًا منذ سنة 2019.
ثانيًا: يخفي هذا التطور المتسارع سباقًا جيوسياسيًا محمومًا، يتجلى في تركّز 60% من الكفاءات لدى الفاعلين التكنولوجيين الأمريكيين، وتوزيع غير متكافئ لبراءات الاختراع، في وقت تملك فيه الصين أكثر من نصف الإيداعات العالمية وتتحكم في 80% من المواد الأولية الاستراتيجية. كما أصبحت سيادة البيانات محورًا أساسيًا داخل الاتحاد الأوروبي من خلال تشريع “قانون الذكاء الاصطناعي”، في حين تفضل الولايات المتحدة والصين مقاربة سيادية وطنية عبر سُحب رقمية سيادية. وفي إفريقيا، لا يتجاوز عدد مراكز البيانات التشغيلية 200 مركز، أي ما يعادل بالكاد 2% من القدرة العالمية، مقابل أكثر من عشرة آلاف مركز عبر العالم.
ثالثًا: في ضوء هذه المعطيات، اعتمدت 74 دولة بالفعل استراتيجيات وطنية مخصصة للذكاء الاصطناعي، من بينها 45% من بلدان الجنوب العالمي، مع إعطاء الأولوية للبنيات التحتية والبحث في الحوسبة عالية الأداء والنماذج المتقدمة.
ومع ذلك، فإن إفريقيا، رغم توفرها على 17 إطارًا وطنيًا، لا تستقطب اليوم سوى 1,5% من الاستثمارات العالمية في هذا المجال، وهو ما يبرز الحاجة الملحة إلى تعاون دولي أكثر عدلًا وشمولًا وتوازنًا.
وفي هذا السياق الجيوسياسي المتحول بعمق، اختار المغرب أن يتحرك برؤية استباقية وحكيمة. إذ يطمح مشروع “الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب” إلى إدراج المملكة ضمن الدول المتحكمة في الأدوات الرقمية الحديثة، وتعزيز اقتصاد رقمي تنافسي، وتحقيق نمو مستدام قائم على الابتكار، والاستجابة للاحتياجات الوطنية، والانفتاح على المبادلات الدولية.
وسيُشكل شبكة معاهد الجزري الأداة المركزية لتنزيل هذا المشروع الاستراتيجي، من خلال تحويل التوجهات العامة إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع، وفتح آفاق جديدة في مجالات متعددة.
وتكمن أهمية مشروع “الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب” في قدرته على تحويل تطور صناعة عالمية يهيمن عليها عمالقة التكنولوجيا إلى فرصة جيوسياسية حقيقية للمملكة.
ومن هنا يطرح سؤال جوهري نفسه بقوة:
كيف يمكن لمشروع “الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب” أن يتجاوز حدودنا الوطنية، وأن يجعل من المغرب قطبًا رقميًا قارّيًا؟
إن خيار المغرب واضح: جعل التكنولوجيات الرقمية، والذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص، رافعة للتنمية المستدامة داخل المملكة، وأداةً لتعاون تضامني مثمر، ووسيلة للإشعاع التكنولوجي الدولي، بهدف تقليص الفوارق بين الدول الصديقة والشريكة، وداخلها.
ويرتكز هذا المشروع الاستراتيجي على ثلاثة محاور كبرى:
أولًا: تطوير ذكاء اصطناعي سيادي
يُكرّس مشروع “الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب” مبدأ السيادة الرقمية كدعامة أساسية للاستقلال الرقمي الوطني، من خلال التحكم الكامل في البنيات التحتية، ولا سيما السحابة السيادية التي شرع في نشرها تدريجيًا منذ سنة 2025، والتي تُمكّن من تخزين ومعالجة البيانات داخل التراب الوطني دون اللجوء إلى خوادم أجنبية.
ويضمن هذا الخيار حماية فعالة لمعطيات المملكة، بإخضاعها حصريًا للتشريعات الوطنية، وتفادي المخاطر الأمنية المرتبطة بمعالجتها خارج الحدود.
ويتجاوز هذا المشروع الأبعاد التقنية البحتة، ليُرسّخ موقع المغرب كنموذج إفريقي بديل عن التبعية التكنولوجية للفاعلين الدوليين الكبار.
ومن شأن هذه العقيدة الرقمية أن تتعزز وتتحول إلى قوة ناعمة دبلوماسية، عبر تصدير نموذج “الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب”، القابل للتكييف مع خصوصيات وحاجيات دول الجنوب العالمي عمومًا، والدول الإفريقية على وجه الخصوص.
ثانيًا: تعزيز تعاون تضامني
تنزيلًا للتوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في مجال التعاون الفعال والمتعدد الأبعاد، تنبني هذه الاستراتيجية على ثلاثية متكاملة:
أ) التعاون جنوب–جنوب:
يهدف هذا التعاون إلى تمكين الدول النامية من حلول ذكاء اصطناعي ملائمة لأولوياتها المحلية، وتسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتقليص الفجوة الرقمية، وتعزيز نجاعة السياسات العمومية، من خلال:
الانتقال من بيانات مجزأة إلى ذكاء متكامل وآني؛
تحسين استهداف السياسات العمومية وتتبع نتائجها، خصوصًا في مجالات معقدة كالصحة والحماية الاجتماعية والمرونة المناخية؛
تعزيز فعالية الإنفاق العمومي وأنظمة الحماية الاجتماعية وآليات تمويل التنمية.
وقد أبرزت مجلة Nature Communications أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم إيجابيًا في 134 هدفًا من أصل 169 هدفًا من أهداف التنمية المستدامة. وأكدت الأمم المتحدة بدورها أن الذكاء الاصطناعي قادر على تسريع تنفيذ حوالي 80% من هذه الأهداف، شريطة اعتماده بشكل مسؤول وشامل.
ويستند هذا التوجه إلى مخرجات المنتدى رفيع المستوى حول الذكاء الاصطناعي في إفريقيا، المنعقد بالرباط في يونيو 2024، والذي دعا، تحت قيادة المغرب، إلى حكامة عالمية للذكاء الاصطناعي تضع الإنسان والاحتياجات الإفريقية في صلب الأولويات.
وفي السياق ذاته، يجسد مركز Digital for Sustainable Development (D4SD)، الذي أُحدث بشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في شتنبر 2025، التوجه المغربي نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في مجالات التعليم والصحة والحكامة داخل الفضاء العربي الإفريقي، وهو ما ينسجم مع أهداف معاهد الجزري وطنيًا وقاريًا.
ب) التعاون شمال–جنوب:
يساهم هذا البعد في نقل التكنولوجيا الضرورية لتنمية دول الجنوب، ويتجلى ذلك من خلال:
اتفاقية سبتمبر 2025 مع Mistral AI لتطوير نماذج قادرة على معالجة اللغة العربية ولهجاتها؛
اتفاق يوليوز 2025 مع مجموعة Onepoint لإنشاء مركز تميز في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي؛
تعزيز حضور Oracle وHuawei، واستعداد OpenAI للتعاون البحثي؛
قرار شركة Nvidia جعل المغرب ضمن أولوياتها الإفريقية لإنشاء بنى تحتية للذكاء الاصطناعي.
ج) التعاون الثلاثي:
يقوم على دمج الخبرة التكنولوجية لدول الشمال مع كفاءات المغرب لفائدة دول الجنوب، بدعم من المنظمات الدولية والمؤسسات المالية، بهدف ترسيخ سيادة رقمية مشتركة ومستدامة، وذلك عبر منصات مثل South-South Galaxy وهيئات الأمم المتحدة المختصة.
ويتطلب إنجاح هذه الاستراتيجية تمويلًا ملائمًا، حيث يمكن للمغرب الاستفادة من تجربته مع الصندوق الأخضر للمناخ، واستلهام نموذج الصندوق العالمي للذكاء الاصطناعي الذي أُحدث سنة 2024 برأسمال أولي قدره 3 مليارات دولار، إضافة إلى آليات التمويل المنبثقة عن مؤتمر إشبيلية لتمويل التنمية.
ثالثًا: التعبئة الدبلوماسية الجماعية
في إطار الرؤية الملكية للتعاون جنوب–جنوب، ستعمل الدبلوماسية المغربية على الترويج لعلامة “الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب” دوليًا، باعتبارها أداة للتعاون ورافعة للدفاع عن مصالح دول الجنوب داخل المحافل متعددة الأطراف.
وقد اختير المغرب، بشراكة مع الولايات المتحدة، لإطلاق أول قرار أممي حول الذكاء الاصطناعي في مارس 2024، كما يترأس حاليًا مجموعة أصدقاء الأمم المتحدة للذكاء الاصطناعي من أجل التنمية المستدامة، ويقود الائتلاف الإفريقي للعلوم والتكنولوجيا والابتكار.
هذه الدبلوماسية التكنولوجية المتعددة الاتجاهات تعكس قيادة وطنية تكتب مستقبل الجنوب العالمي بلغة الذكاء الاصطناعي، عبر نماذج شاملة تحترم الخصوصيات الثقافية، وتحد من الانحيازات الخوارزمية، وتؤسس لنفوذ قائم على التعاون والانفتاح.
في ظل تفاقم الفجوات الرقمية عالميًا، يشكل مشروع “الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب” خيارًا استراتيجيًا يعكس التزام المملكة بالعدالة الرقمية، والتعاون المتكافئ، والسيادة المشتركة مع دول الجنوب، ولا سيما الدول العربية والإفريقية.
ويبقى الرهان هو تحويل هذا المشروع إلى قوة ناعمة حقيقية تعزز إشعاع المغرب قاريًا ودوليًا، عبر شراكات مبنية على التضامن والتشارك ونقل الخبرة.
إن التجربة المغربية في مجال الذكاء الاصطناعي الأخلاقي والمسؤول تمتلك كل المقومات لتصبح قصة نجاح رقمية مرجعية.
وبذلك، يرسخ المغرب مكانته كبلد مبتكر، منفتح على محيطه الإقليمي، وفاعل مؤثر في النظام الرقمي العالمي.