مشروع قانون العدول واشكالية الاختصاص التشريعي والتنظيمي

19/01/2026 - 14:15
مشروع قانون العدول واشكالية الاختصاص التشريعي والتنظيمي

حسن الهيثمي*

لاتُقاس فعالية النصوص التشريعية بمضامينها، بل أيضًا بالمرحلة التي تلي اصدار الأمر بتنفيذها ومدى قابليتها للتطبيق العَملي في آجال مَعْقولة واحالتها على عدد قليل من النصوص التنظيمية، وهو ما ما يطرح إشكالية حدود الاختصاص بين القانون ومجال التنظيم بشأن مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، ومدى قابليته للتطبيق بالنظر إلى تضخم احالته على 18 نصا تنظيميا، والذي أثارت بعض مقتضياته جدلًا واسعًا داخل الوسط المهني وصل إلى حد المطالبة بسحبه من البرلمان.
ويعتبر هذا العدد من النصوص التنظيمية الذي أحال عليه مشروع القانون مرتفعا بالنظر لطبيعة المجالات المعنية بهذه الإحالة لمهنة التوثيق العدلي باعتبارها من المهن القانونية والقضائية التي تزاول في إطار مساعدي القضاء مجموعة متشعبة من المهام، والتي تمس قضايا جوهرية من قبيل: نظام وكيفيات مباراة الولوج وامتحان نهاية التمرين (المادة 4)، تحديد تعريفة الأتعاب وطريقة استيفائها (المادة 19)، نماذج سجلات البيانات الورقية والإلكترونية (المادة 30)، الحد الأدنى لابرام عقد تأمين المسؤولية المدنية (المادة 38)، كيفيات تطبيق مقتضى وجوب تأكد العدلان بواسطة شهادة صادرة عن السلطة المحلية من كون العقار ليس ملكا جماعيا أو حبسيا أو من أملاك الدولة، كلما تعلق الأمر بتأسيس ملكية عقار غير محفظ (المادة 56)، تنظيم السجل الورقي والرقمي وطرق الحفظ الإلكتروني واستخراج النسخ (المواد 79 و83)، فضلاً عن مسائل شكلية متعلقة بالشكل والمواصفات للبذلة المهنية وللوحة واجهة مكتب العدل والبيانات التي تتضمنها (المادتان 134 و135) وتحديد مبالغ الواجبات المتعلقة بالانخراط والاشتراك السنوي والانتقال والعقود والنسخ والمداخيل المتعلقة بالسجلات وكناش تواصيل الأداء والبطاقة المهنية والبذلة المهنية والمطبوعات والكتب ( المادة 143).
وبقراءة متأنية، يلاحظ أن حوالي 8.86% من مواد مشروع القانون، من أصل 203 مادة، لن تكون قابلة للتطبيق إلى حين صدور نصوصها التنظيمية، مع الإبقاء بشكل مؤقت على النصوص التنظيمية الحالية الصادرة تطبيقا للقانون الحالي المتعلق بخطة العدالة، وهو ما تنص عليه المادة 198 من مشروع القانون، بما يلي « تظل النصوص التنظيمية المتخذة لتطبيق القانون رقم 16.03 سارية المفعول ما لم تتعارض مع مقتضيات هذا القانون وذلك الى حين تعويضها ».
ويتسبب التضخم في الإحالة على النصوص التنظيمية في إطالة أجل إصدارها، سيما ان مشروع القانون ينص على دخوله حيز التنفيذ بعد تسعين يوما من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية حسب ما تنص عليه المادة 198منه، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام تعطيل تطبيق هذا القانون لفترة زمنية غير محددة، ما يؤدي عملياً من جهة، إلى تجميد أحكام تشريعية مصادق عليها من قِبل البرلمان ومن جهة أخرى، يُضعف السيادة التشريعية ويضر بالأمن القانوني.
ويمكن تفادي هذه الهواجس بتقليص الإحالة على النصوص التنظيمية التي يعتبر تجاوز حدود المجال المخصصة لَها غَير مشروع، ولكن العكس غير صحيح، خاصة أن الفصل 73 من دستور سنة 2011 يتيح إمكانية تحويل النصوص التشريعية من حيث الشكل إلى نصوص ذات طابع تنظيمي بمرسوم، بعد موافقة المَحكمة الدستورية، إذا كان مضمونها يندرج في مجال تمارسه السلطة التنظيمية.
ينبغي الإقرار بأن اللجوء إلى النصوص التنظيمية يعتبر آلية مشروعـة لتفصيل الجوانب التقنية أو الإجرائية التي يصعب ضبطها على مستوى القانون، غير أن الافراط في استعمال هذه الآلية قد يؤدي إلى تفويض تشريعي غير مبرر لصالح السلطة التنفيذية، في مخالفة صريحة للفصلين 71 و 72 من الدستور.
إن التحليل الأولي لمقتضيات مشروع قانون مهنة العدول يدعو إلى إعادة النظر في منهجية الصياغة التشريعية، من خلال ترشيد الإحالة على النصوص التنظيمية، وحصرها في الجوانب التقنية الصرفة، مع إسناد تنظيم القواعد الجوهرية للتشريع.
كما يتطلب الأمر التنصيص الصريح على آجال ملزمة لإصدار النصوص التنظيمية، لضمان الأمن القانوني في التشريع، خصوصاً في مجال التوثيق العدلي بشكل يحترم مبدأ فصل السلط بدا يضمن للبرلمان ممارسة وظيفته الدستورية باعتباره صاحب الاختصاص الأصلي في مجال التشريع.

*عدل باستئنافية الرباط وباحث في القانون

شارك المقال