تواصل جائزة الكتاب العربي في الدوحة ترسيخ حضورها بوصفها أحد أبرز المواعيد الثقافية في العالم العربي، إذ لم تعد مجرد مناسبة لتكريم الكتب والمؤلفين، بل تحولت إلى فضاء ثقافي جامع يعيد الاعتبار للكتاب، ويمنح البحث العلمي مكانته، ويعيد للكلمة المكتوبة هيبتها في زمن تتسارع فيه الوسائط الرقمية وتزاحم فيه الصورة القراءة.
وفي دورتها الثالثة، التي احتضنتها العاصمة القطرية الدوحة يوم 27 يناير 2026، كرم الشيخ ثاني بن حمد آل ثاني، رئيس مجلس إدارة صندوق قطر للتنمية، الفائزين في حفل رسمي كبير حضره عدد من الوزراء والشخصيات الثقافية والدبلوماسية والأكاديمية، إلى جانب ناشرين وكتاب وإعلاميين من مختلف الدول العربية، في مشهد يعكس تنامي الاهتمام العربي بالمعرفة وصناعة الكتاب.

جائزة تتسع للعلوم والمعرفة
شهدت الدورة الحالية مشاركة واسعة، حيث تجاوز عدد الترشيحات ألف عمل، توزعت على المجالات الخمسة التي تغطيها الجائزة، وهي: الدراسات الأدبية والنقدية، الدراسات التاريخية، الدراسات الدينية والشرعية، الدراسات الفلسفية والاجتماعية، إضافة إلى مجال المعاجم وتحقيق النصوص.
وتتميز الجائزة بكونها لا تكتفي بتصنيفات عامة، بل تخصص كل دورة لمحاور دقيقة داخل كل مجال، ما يمنح المنافسة عمقًا علميًا ويشجع الباحثين على تقديم دراسات نوعية متخصصة.
وتوج بالجائزة هذا العام في فئة الكتاب المفرد في مجال الدراسات اللغوية والأدبية، والتي خصصت هذه الدورة للدراسات الأدبية والنقدية للتراث العربي إلى نهاية القرن العاشر الهجري، عبد الله الرُّشَيد بالمركز الأول عن كتابه « تدوين المجون في التراث العربي: عرض وكشف وتأويل »، وبالمركز الثاني عامر أو بمحارب عن كتاب « خزائن المنسيين: آداب التابع في التراث الأدبي الأنواع والبلاغة والأرشيف »، وجاء في المركز الثالث خالد عبد الرؤوف الجبر، عن كتابه « التلقي في التراث الفكري العربي »
وفي مجال الدراسات التاريخية: خصصت هذه الدورة للتاريخ العربي والإسلامي من نهاية القرن السادس الهجري إلى نهاية القرن الثاني عشر، وفاز بالمركز الثاني ناصر الرباط، عن كتابه « تقي الدين المقريزي: وجدان التاريخ المصري »، وبالمركز الثاني مكرر، أحمد محمود إبراهيم عن كتابه « سفينة نوح: الهجرات المشرقية إلى مصر والشام زمن سلاطين المماليك ».
كما توج سعادة الشيخ ثاني بن حمد آل ثاني، الفائزين في مجال العلوم الشرعية والدراسات الإسلامية: وقد خصصت هذه الدورة للسيرة والدراسات الحديثية. وتوج بالمركز الثاني أحمد صنوبر عن كتابه « السلطة السياسية وحركة رواية الحديث ونقده: دراسة تاريخية في أحاديث فضائل الصحابة »، وفاز بالجائزة التشجيعية محمد أنس سرميني، عن كتاب » القطعي والظني بين أهل الرأي وأهل الحديث ».
وفي مجال الدراسات الاجتماعية والفلسفية: والتي خصصت للدراسات الفكرية والدراسات الاقتصادية فازت بالمركز الثالث سوسن العتيبي، عن كتاب « مفهوم الإنسان عند طه عبد الرحمن ».
أما في مجال المعاجم، والموسوعات، وتحقيق النصوص (في التحقيق تُخصص هذه الدورة لتحقيق النصوص اللغوية). فقد فاز بها ياسر الدمياطي عن « موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة ».
كما توج الشيخ ثاني بن حمد آل ثاني الفائزين بجائزة الكتاب العربي في فئة الإنجاز وهم الأفراد: الدكتور كيان أحمد حازم، من العراق، الدكتور محمد سهيل طقوش من لبنان، الدكتور محمد صالح المسفر من قطر، مختار الغوث من موريتانيا، مقبل التام الأحمدي من اليمن، الدكتورة نادية مصطفى من مصر.
كما فاز بجائزة الإنجاز للمؤسسات مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث من الإمارات، ودار الإحياء للنشر والتوزيع من المغرب، ودار كنوز المعرفة من الأردن.
جسر للتواصل الفكري العربي
وفي كلمته خلال الحفل، أكد الأمين العام للجائزة الدكتور حسن النعمة أن الجائزة أصبحت جسرًا للتواصل المعرفي بين علماء الأمة، ومنصة تكرّم الجهود البحثية الجادة التي تثري الثقافة العربية، مشيرًا إلى أن دعم الباحثين والناشرين يمثل استثمارًا في مستقبل المعرفة العربية.
وأوضح أن الجائزة تسعى إلى إعادة الاعتبار للبحث العلمي الجاد وإبراز الدراسات التي تساهم في تطوير الفكر العربي، مثمنًا الجهود التي يبذلها المؤلفون والناشرون في ظروف ليست دائمًا سهلة لصناعة الكتاب.
صوت الفائزين: تكريم للفكر لا للأفراد فقط
من جانبه، عبّر الدكتور محمد صالح المسفر، المتحدث باسم الفائزين، عن اعتزازه الكبير بهذا التكريم، معتبرًا أن الجائزة لا تكرم شخصًا بقدر ما تكرم مسارًا فكريًا وثقافيًا عربيًا ممتدًا.
وأكد أن الكتاب العربي ما زال أداة أساسية لبناء الوعي ونقل الهوية الثقافية، وأن تكريم الباحثين يمثل حافزًا لاستمرار الإنتاج المعرفي وتعزيز الحوار الفكري في العالم العربي، مشددًا على أن الفوز بالجائزة ليس نهاية مسار بل بداية مسؤولية جديدة تجاه المعرفة والمجتمع.
حنان الفياض: الجائزة تفتح بابًا واسعًا للعلوم المعرفية
وفي حديث مع الدكتورة حنان الفياض، المستشارة الإعلامية للجائزة، قالت، اليوم احتفت جائزة الكتاب العربي بالفائزين في هذا الموسم وهو الثالث. بعد تنافس أكثر من 1000 ترشيح خلال هذا العام في مجالات الجائزة الخمسة، هناك مجال العلوم الأدبية والنقدية، ومجال الدراسات التاريخية، ومجال الدراسات الدينية والشرعية، ومجال الدراسات الفلسفية والاجتماعية، والمعاجم وتحقيق النصوص. وطبعا كما تعرفين هذه المجالات هي ليست مجالات مطلقة، إنما تقيد بتخصصات دقيقة في كل عام.
وبخصوص حضور المغرب الدائم في جوائز الدوحة سواء جائزة الترجمة أو جائزة الكتاب العربي، تقول الدكتورة حنان الفياض، طبعا أنت تعرفين أن المملكة المغربية اكتسحت العام الماضي المنصة، وهو أمر لافت للنظر.
شخصيا أظن أنه بسبب التخصص الدقيق الذي كان مطروحا العام الماضي لأن الإخوة في المغرب يتميزون بالدراسات اللغوية، فكان من المتوقع جدا أن يكون الفوز من المغرب مكتسحا. وأيضا فوز المغرب هذا العام يشكل إضافة نوعيه للمجال المعرفي، ما شاء الله رأيت أن الفائزة امرأة، فهذا يشكل لنا أيضا كنساء أمرا خاصا جدا، هي رسالة موجهة للجميع مفادها أن المرأة حاضرة دائما على أعلى المستويات المعرفية والفكرية والثقافية وفي كل المجالات.
وتضيف الدكتورة حنان الفياض المستشارة الإعلامية لجائزة الكتاب العربي قولها، الآن تنطلق من قطر أكبر الجوائز العالمية في مجال الثقافة، فيما يتعلق بالأدب هناك كما تعلمين جائزة « كتـــارا »، فيما يتعلق بالثقافة أيضا هناك جائزة « الترجمة ». أما هذه الجائزة، « جائزة الكتاب العربي » لا نستطيع أن نقول إنها الآن هي الجائزة الأكبر، لكن نحن نسعى بها إلى أن تكون الأكبر، لكن هي الجائزة الأولى سواء في قيمتها المالية أو حتى في نوعيتها في تعزيز العلوم المعرفية. وكما تعرفين أن الجوائز الأخرى هي جوائز متخصصة نوعا ما، تهتم بالأدب و بالنقد، لكن هذه الجائزة تهتم بمجموعة من العلوم المعرفية الهامة التي ربما غُيب أو تُنُوسيَ أهلها الاهتمام بالأدب أو الاهتمام بالنقد وبالشعر والاهتمام بالرواية، ولذلك كان من حق هؤلاء العلماء أن يكرموا بجائزة خاصة بهم، ولعل هذا هو الأهم في هذا المشهد.
وفي حديثها عن هذه الدورة، أوضحت الدكتورة حنان الفياض، المستشارة الإعلامية للجائزة، أن جائزة الكتاب العربي أصبحت خلال فترة وجيزة إحدى أهم الجوائز الثقافية التي تهتم بالعلوم الإنسانية والاجتماعية في العالم العربي. وأكدت أن الهدف ليس فقط منح جوائز، بل خلق حركة معرفية عربية مستمرة، وتشجيع الدراسات التي تثري المكتبة العربية وتعيد الاعتبار للبحث العلمي المتخصص.
دور النشر… مقاومة ثقافية في زمن الصورة
وفي جانب لا يقل أهمية عن تكريم المؤلفين، حظيت دور النشر بحضور لافت في الجائزة، باعتبارها الحلقة الأساس في وصول الكتاب إلى القارئ.
وأعربت السيدة نوال أمحجور، مديرة دار الإحياء للنشر والتوزيع من طنجة المغربية، عن اعتزازها بفوز الدار، معتبرة أن هذا التكريم يرسّخ مكانة الكتاب في مواجهة طغيان الوسائط الرقمية. وأوضحت أن الدار، رغم حداثة تأسيسها، استطاعت بناء رصيد من الإصدارات النوعية، معتبرة أن الجائزة تمثل دفعة معنوية لمواصلة العمل وتحسين جودة الإنتاج الثقافي وخدمة القارئ.
وقالت، في الحقيقة هذه الجائزة تعني لي الكثير، تعني أن يبقى الكتاب سلطانا يتربع عرش الوسائط الثقافية والتعليمية والعلمية والإبداعية في جميع المجالات أمام مزاحمة هذه الوسائط الجديدة القائمة على الصورة بالأساس، فهذه الجائزة من شأنها أن تبقي على المكانة الرفيعة للكتاب، طبعا نحن فخورون بهذه الجائزة فهي تعترف بالجهد المبذول من طرفنا على الرغم من أن دار الإحياء للنشر والتوزيع لم تكمل سنتها الخامسة، ولكن استطعنا أن نراكم مجموعة من الإصدارات الجديدة والجيدة.
وبالمناسبة، أتقدم بالشكر للأقلام الأولى التي وثقت في دار الإحياء، ونحن نتلمس أن نجد لقدمنا موطئا في عالم النشر الثقافي سواء في المغرب أوفي العالم العربي. فشكرا لهاته الأقلام التي وثقت فينا. وطبعا هذا يحملنا المزيد من المسؤولية، فدار الإحياء للنشر هي مسار مهني صحيح، هذه الجائزة من شأنها أن تكون دفعه لمزيد من العطاء وللمزيد من العناية بالقراء بالدرجة الأولى.
وعن المعايير التي جعلت دار النشر تتوج بالجائزة، تقول السيدة نوال أمحجور، في الحقيقة الشرط الأساس هو جودة المنتوج، نحن نستقطب المبدعين، ونحترم الكُتَّاب ونحترم القارئ أيضا رغم كل التحديات التي تعرفها دور النشر في العالم العربي، وربما التحدي المالي هو على رأس التحديات، وهنا يبرز دور الجائزة، وهو تشجيعي بالأساس، وتحفيزي للاستمرار، والجميل أيضا أن تُعطى لامرأة
تحديات النشر العربي
بدوره، أكد مهند حسن حلمي، مدير دار كنوز المعرفة في الأردن، أن الجائزة تمثل دعمًا معنويًا مهمًا لدور النشر التي تواجه صعوبات مالية وتسويقية في العالم العربي، مشيرًا إلى أن استمرار المبادرات الثقافية الكبرى ضروري لإنقاذ صناعة الكتاب الورقي وضمان استمراريته.
يقول الأستاذ مهند أحمد مهند حسن حلمي صاحب الدار، جائزة الكتاب العربي في الدوحة تمثل لنا حافزا لاستمرار صناعة النشر، وتمثل أيضا دافعا لتجاوز العوائق المادية الكثيرة التي تقف في وجه الكتاب الورقي والكتاب العربي، دور النشر في العالم العربي تعاني جميعها من نفس المشاكل، وهي مشاكل التمويل والبيع والانتشار وغيرها.
جائزة الكتاب العربي… نهضة ثقافية حديثة
الدكتور والمفكر القطري محمد صالح المسفر، والفائز بجائزة الكتاب العربي في فئة الإنجاز. يقول: تمثلني هذه الجائزة بشكل قوي، وأعتبرها تكليفا جديدا لكل حملة القلم بأن يبدعوا ويجتهدوا في البحث العلمي الدقيق، وأن يرتقوا بمفهوم الأمة لغة وأدباً وعلمًا وثقافة، أشير هنا إلى أن قطر البلد الوحيد في دول الخليج التي جعلت من هذه الجائزة، جائزة لكل العرب وليست للقطريين فقط، وهذا الأمر أعتبره تحديا لجميع الكتاب في الوطن العربي.
قطر حباها الله بثروة مالية كبيرة، وتنفقها من أجل بناء نهضة عربية صادقة، عِلْمًا وعَمَلًا وثقافة ومسيرة، وأعتقد أن قطر وضعت رجلها على العتبة الأولى في عصر النهضة الحديث. وأميرنا الشيخ تميم، ومن قبله والده أطال الله في عمره، يبذلون جهودا كبيرة. وكانت أول زيارة لسمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة كانت للمدرسة الابتدائية ليرى سير التعليم من هناك، وحثهم على الاهتمام بالتعليم وعلى اللغة العربية وآدابها.
جائزة الكتاب العربي… جائزة رصينة
الكاتب الأردني خالد عبد الرؤوف الجبر الذي فاز عن كتابه « التلقي في التراث الفكري العربي » في فئة الكتاب المفرد في مجال الدراسات اللغوية والأدبية والتي خصصت هذه الدورة للدراسات الأدبية والنقدية للتراث العربي إلى نهاية القرن العاشر الهجري، تحدث عن كتابه الذي يناقش فيه نظرية التلقي في كل التراث العربي الفكري، دون تجزيئ، ليس طائفيا وليس سياسيا بحسب العصور أو بحسب الدول، الكتاب يؤمن بأن التراث واحد، وأن هذه الأمة سرى في فكرها وثقافتها ذات حين من الزمن عقل واحد ووجدان واحد على اختلافها، فقبلت تنوعها وتعايشت مع المختلف فيها إلى أقصى درجات التطرف، ومن هنا كانت هذه الأمة قادرة على أن تنتج حضاريا وتؤثر في العالم كله. عندما بدأت تنظر في ذاتها نظرة جزئية ضيقة بحسب الهويات الضيقة بدأت جهودها تضيع وتضمحل وتتلاشى.
في رأيي جائزة الكتاب العربي في الدوحة هي جائزة رصينة جدا، والمثير هو المحافظة على السرية في التحكيم، وهذا شيء مدهش، لم نعرف بشيء عن نتائج الفوز إلا ظهيرة هذا اليوم، لذلك يفخر المرء بأن يتقدم لهذه الجائزة، أعتز بذلك، تعطيني في هذه المرحلة من العمر دفعة معنوية كبيرة لأعود من الشيب إلى الشباب، وأنطلق من جديد
ندوة الهوية الثقافية… الكتاب في قلب الأسئلة الكبرى.
لم يقتصر الحدث على التكريم، بل امتد إلى نقاش فكري حول سؤال الهوية ودور الكتاب في تشكيلها. في الندوة المصاحبة للحفل، ناقش أكاديميون وباحثون كيف ظل الكتاب العربي عبر قرون فضاءً للتفكير في الذات وعلاقتها بالعالم، وكيف أن الهوية ليست معطى ثابتًا بل بناء يتجدد عبر القراءة والحوار والانفتاح.
وسط كل ذلك، بدا واضحًا أن الجائزة تحاول أن تؤدي دورًا يتجاوز المنافسة بين الكتب، لتصبح منصة تعيد النقاش حول موقع المعرفة في المجتمعات العربية اليوم: هل ما زال للكتاب تأثير؟ وهل يمكن للقراءة أن تستعيد جمهورها في عصر السرعة؟
ربما لا توجد إجابات جاهزة، لكن ما حدث في الدوحة يشير إلى أن هناك إيمانًا متجددًا بأن الثقافة العربية لا تزال قادرة على إنتاج معرفة حيّة، وأن الكتاب، رغم كل التحولات، لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
نحو أفق ثقافي أوسع
وتسعى جائزة الكتاب العربي، التي أطلقت عام 2023، إلى دعم الإنتاج المعرفي العربي وتكريم الباحثين والمؤسسات الفاعلة في صناعة الكتاب، وقد عقدت خلال سنواتها الأولى شراكات علمية مع جامعات ومؤسسات ثقافية في عدد من الدول العربية.
كما أعلنت إدارة الجائزة عن فتح باب الترشح للدورة الرابعة ابتداءً من 28 يناير إلى غاية 28 مايو 2026، في خطوة تؤكد استمرار هذا المشروع الثقافي العربي الطموح.