في الأسابيع الأخيرة تم إنهاء مهام الخازن العام للمملكة وهو إجراء عادي تعرفه الكثير من دواليب الإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية، غير أن الألسن والأقاويل تناسلت وتنازعت فَمِن قائل بأن وزيرة المالية أَعْفَته ضِمْن الصلاحيات المُخوَّلة لها، ومِن قائل بأن ذلك بعيد عن اختصاصاتها باعتبار أن الخازن العام للمملكة مُعيّن بظهير شريف ومِن تَمَّ وإعمالا لمبدأ توازي الشكليات فإن السلطة التي لها صلاحية التعيين يرجع إليها حَصرا إمكانية إنهاء مهامه، مما يطرح التساؤل عن أي الفريقين أقرب إلى الصواب القانوني؟
لِمُقاربَة قانونية لهذه الوضعية لابد من التذكير أنه قَبْل دستور 2011 كان لجلالة الملك وفق الفصل 30 من دستور 1996 « …حق التعيين في الوظائف المدنية والعسكرية كما له أن يفوض لغيره ممارسة هذا الحق » (ظهير شريف رقم 1.96.157 بتاريخ 7 أكتوبر 1996بتنفيذ نص الدستور المراجع، جريدة رسمية = ج.ر عدد 4420 بتاريخ 10 أكتوبر 1996)، كما أنه وفق الفصل 29 منه « يمارس الملك ظهائر السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور… »، علاوة على أن الظهائر الشريفة توقع بالعطف من لدن الوزير الأول ماعدا الظهائر المنصوص عليها في بعض فصول دستور 1996.
ويُستنتج مما سلف أنه في ظل دستور 1996 كان التعيين في الوظائف المدنية، من قَبِيل تعيين الكتاب العامين والمدراء بالإدارات العمومية، يتم بواسطة ظهائر شريفة.
لكن التساؤل الذي يُلح إلحاحا في طرح نفسه يتعلق بالتغييرات التي لحقت جهة ومسطرة التعيين في المناصب المدنية بالإدارات العمومية بعد اعتماد دستور 2011 (ظهير شريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز بتنفيذ نص الدستور، ج.ر عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليوز 2011)، الذي نص في فصليه 49 و92 على إلزامية إصدار قانون تنظيمي يتعلق بالتعيين في المناصب العليا (القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا تطبيقا لأحكام الفصلين 49و92 من الدستور بتاريخ 17 يوليوز 2012 كما وقع تغييره وتتميمه، ج.ر عدد 6066 بتاريخ 11 فبراير 2012)
وفي هذا السياق، يَجدُر القول بأن التعيين في المناصب العليا وفق أحكام الفصل 49 من دستور 2011 يتعلق بمناصبٍ حددها وهي : والي بنك المغرب والسفراء والولاة والعمال والمسؤولين عن الإدارات المكلفة بالأمن الداخلي، حيث يتداول المجلس الوزاري بشأنها، باقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني ويتم التعيين فيها بظهير شريف.
كما يتم التعيين تبعا للفصل 49 المذكور في مناصب ترتبط بمهام المسؤولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية والمحددة لائحتها بقانون تنظيمي من قَبِيل صندوق الإيداع والتدبير ومؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي وبريد المغرب والمجمع الشريف للفوسفاط، ويتداول المجلس الوزاري أيضا بخصوص التعيين فيها بظهير شريف بناء على اقتراح رئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني.
لكن، وحيث أن الأمر يتعلق بإعفاء الخازن العام للمملكة في ظل دستور 2011 سنتطرق للتعيين في المناصب العليا بالإدارات العمومية حصرا والتي يتداول بشأنها المجلس الحكومي وفق الفصل 92 من الدستور ويتم التعيين فيها بواسطة مرسوم (المحور الأول) وإلى مفاصل القانون التنظيمي رقم 02.12 في الشق المتعلق بالتعيين بالإدارات العمومية (المحور الثاني) وإلى إجراءات التعيين في مجلس الحكومة (المحور الثالث) لنخلص في الختم إلى تلمس جواب عن السؤال المطروح في الفقرة الأولى أعلاه.
المحور الأول: مضمون الفصل 92 من الدستور
تفيد أحكام الفصل 92 من الدستور بأن من القضايا التي يتداول بشأنها مجلس الحكومة تحت رئاسة رئيس الحكومة التعيين في بعض المناصب العليا وهي كالتالي:
أ-المناصب العليا المحددة في الدستور، وتتمثل هذه المناصب في : الكتاب العامين ومديري الإدارات المركزية بالإدارات العمومية ورؤساء الجامعات والعمداء ومديري المدارس والمؤسسات العليا.
ب-المناصب المحددة بقانون تنظيمي، حيث خول الفصل 92 من الدستور إلى قانون تنظيمي مهمة تحديد لائحة الوظائف التي يتم التعيين فيها في مجلس الحكومة، وكذا مبادئ ومعايير التعيين في هذه الوظائف، لاسيما منها مبادئ تكافؤ الفرص والاستحقاق والكفاءة والشفافية.
المحور الثاني: القانون التنظيمي رقم 02.12
إن أهم مفاصل القانون التنظيمي رقم 02.12 تَنتظِم في تحديد المناصب العليا (1) ومبادئ ومعايير التعيين(2)، وأيضا إجراءات التعيين المحددة بنص تنظيمي التي لِأَهميتها نخصص لها المحور الثالث.
(1) المناصب العليا وفق القانون التنظيمي رقم 02.12:
التزاما بمنهجية البحث المومإ إليها آنفا نتطرق حصرا إلى المناصب العليا بالإدارات العمومية وفق القانون التنظيمي رقم 02.12 بناء على أحكام الفصل 92 فقط، حيث علاوة على المناصب العليا الواردة في هذا الفصل من قبيل الكتاب العامين للوزارات ومديري الإدارات المركزية بالإدارات العمومية، فقد خُوِّل لِلقَانون التنظيمي رقم 02.12 تتميم لائحة الوظائف التي يتم التعيين فيها في مجلس الحكومة مثل المفتشين العامين للوزارات والمهندسين العامين والمتصرفين العامين والمفتش العام للمالية والمفتش العام للإدارة الترابية.
وتكريسا للشفافية والمساواة يستلزم توفر مبادئ ومعايير للتعيين في المناصب العليا بالإدارات العمومية التي يتم التداول بشأنها في مجلس الحكومة تطبيقا لأحكام الفصل 92 من الدستور، لاسيما مبادئ تكافؤ الفرص والاستحقاق والكفاءة والشفافية. (لاحظ ان المبادئ المذكورة يتعين توفرها عند التعيين في جميع المناصب العليا)
(2) مبادئ ومعايير التعيين
غني عن البيان أن المبادئ بمضمونها العام هي مبادئ تكون عادة فوق قانونية (مبدأ العدل، مبدأ المساواة) يتم تضمينها دستوريا ثم تنزيلها في قوانين، بخلاف المعايير فهي تختص بشروط يتعين تحقيقها في مجال معين.
ويمكن القول إجمالا، أن المبادئ لها طابع موضوعي (مبدأ العدل مثلا) في حين أن المعايير فهي أقرب إلى الذاتية من الموضوعية من قبيل التحلي بالنزاهة والاستقامة.
وتتمثل مبادئ التعيين المنصوص عليها في القانون التنظيمي رقم 02.12 في تكافؤ الفرص والاستحقاق والمساواة، وعدم التمييز، والمناصفة بين النساء والرجال.
أما معايير التعيين فتتجسد في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، والتوفر على مستوى عالٍ من التعليم والكفاءة اللازمة، والتحلي بالنزاهة والاستقامة، والتوفر على تجربة مهنية بإدارات الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات او المقاولات أو القطاع الخاص داخل الوطن أو خارجه.
ولتفعيل هذه المبادئ والمعايير تفيد المادة الخامسة من القانون التنظيمي رقم 02.12 بأنه لتطبيق المادة الرابعة منه فإن مسطرة اقتراح المرشحات والمرشحين لشغل المناصب العليا، من قِبَل السلطات المعنية، وتقديم ملفاتهم وعرضها من لدن رئيس الحكومة على مداولات مجلس الحكومة تُحدَّد بنص تنظيمي والذي نتطرق إليه في المحور الموالي.
المحور الثالث: إجراءات التعيين في المناصب العليا بالإدارات العمومية
يَتوخَّى المرسوم رقم2.12.412 تحديد مختلف الإجراءات المُتبعة فيما يتعلق بكل مرحلة من مراحل مسطرة اقتراح المرشحات والمرشحين لشغل المناصب العليا، لضمان تكافؤ الفرص والشفافية والكفاءة والاستحقاق. (مرسوم رقم 2.12.412 الصادر في 11 أكتوبر 2012 بتطبيق أحكام المادتين 4 و5 من القانون التنظيمي رقم 02.12 فيما يتعلق بمسطرة التعيين في المناصب العليا التي يتم التداول في شان التعيين فيها في مجلس الحكومة، ح.ر عدد 6091 بتاريخ 15 أكتوبر 2012)
وتشتمل مسطرة التعيين على ثلاث مراحل، إجراءات الترشيح(أولا) إحداث لجنة دراسات الترشيحات(ثانيا) التعيين في مجلس الحكومة (ثالثا)
أولا: إجراءات الترشيح في المناصب العليا المذكورة:
1 -الإعلان عن فتح باب الترشيح لشغل المناصب العليا المذكورة بقرار للسلطة الحكومية المعنية على المَوْقِعين الإلكترونيين لرئاسة الحكومة وللسلطة الحكومية المعنية وعلى البوابة الإلكترونية للتشغيل،
2 -تَضْمِين القرار، بعد إِطلاَع رئيس الحكومة، المنصب المُرَاد شغله، والمواصفات المتعلقة به، والشروط التي يجب توفرها في المرشحات والمرشحين مع مكان سَحْب ملف الترشيح وأجل إيداع الترشيحات الذي يجب ألا تقل مدته عن عشرة(10) أيام،
3 -إِيدَاع ملفات الترشيح لدى السلطة الحكومية المعنية.
ثانيا: إحداث لجنة دراسات الترشيحات وتحديد مهامها
تُحدَث بمناسبة كل عملية انتقاء، بِمُقرر للسلطة الحكومية المعنية، لجنة لدراسة الترشيحات، تتولى مع إعمال المبادئ والمعايير المنصوص عليها في القانون التنظيمي، ما يلي:
1 -القيام بانتقاء أَوَّلِي لسبعة(7) من المرشحات والمرشحين لِشَغْل المنصب موضوع المباراة بناء على ملفات الترشيح، وبعد التأكد من اسْتِيفائِهم للشروط المطلوبة،
2 -إجراء مقابلات مع المرشحات والمرشحين، الذين تم انتقاؤهم، والذين يتعين أن يقدموا خلال المقابلة عرضا حول تصوراتهم الشخصية بالنسبة للمهام التي سيُعهد بها إليهم وسُبُل الرفع من أدائها،
3 -يقدم رئيس لجنة دراسة الترشيحات للسلطة الحكومية المعنية قائمة تتضمن ثلاث مرشحات ومرشحين على الأكثر، مُرفَقة بتقرير عن حصيلة أشغالها.
في حالة عدم التوصل بأي ترشيح، تتولى السلطة الحكومية المعنية، بمبادرة منها، اقتراح مرشحة أو مرشح على رئيس الحكومة لعرض تعيينه على مداولات مجلس الحكومة،
في حالة عدم اقتراح أي مرشحة أو مرشح من قبل لجنة دراسة الترشيحات، يمكن للسلطة الحكومية المعنية أن تطلب من اللجنة المذكورة إعادة دراسة الترشيحات المقدمة لها. وإذا لم تتوصل اللجنة إلى اقتراح أي ترشيح من جديد يطبق نفس الإجراء المذكور في الفقرة السابقة أعلاه.
وبعد الانتهاء من هذه الإجراءات، تَرْفع السلطة الحكومية المعنية إلى رئيس الحكومة مذكرة مُوقعة من طرفها تتضمن اقتراحا للمنصب المراد شغله في حدود ثلاثة(3) من المرشحات والمرشحين، مُرفَقة بِعدة وثائق من أهمها التقرير الذي أعدته لجنة دراسة الترشيحات عن حصيلة أعمالها.
ثالثا: التعيين في مجلس الحكومة
يقوم رئيس الحكومة، بعد دراسته لمقترحات التعيين التي توصل بها، بِعَرضِها على مداولات مجلس الحكومة، مُرفقة برأيه في شأنها، في حدود مرشحة أو مرشح واحد لكل منصب، مع التذكير بأن التعيين في المناصب العليا المذكورة قابل للتراجع عنه.
وفي إطار الحركية، يمكن عند انقضاء مدة التعيين أو قَبْل ذلك، تنقيل شاغلي المناصب العليا لتولي منصب آخر من نفس المستوى داخل نفس القطاع أو في قطاع آخر أو مؤسسة عمومية، مع مراعاة خصوصية المنصب المُراد شغله، ويتم هذا التعيين بمرسوم بعد التداول بشأنه في مجلس الحكومة، وباقتراح من السلطة الحكومية المعنية (انظر المادة 10 من المرسوم رقم 2.12.412)
في الختم:
بعد تطرقنا لمختلف مراحل التعيين في المناصب العليا بالإدارات العمومية فإن السياق يَسُوقُنا للحديث عن مَربِط الفرس في موضوعنا المتمثل في كيفيات إنهاء التعيين في هذه المناصب.
هنا يجب التمييز بين حالتين:
1 – الإحالة على التقاعد، حيث تنتهي بكيفية تلقائية، عند بلوغ حد السن القانوني للإحالة على التقاعد، المُحدَّد طبقا للنصوص التشريعية الجاري بها العمل، مهام الأشخاص المُعينين بمرسوم في أحد المناصب العليا، وذلك دون الإخلال بالأحكام النظامية الخاصة التي تسمح بتمديد سن التقاعد القانوني، وتُنهَى المهام بقرار للسلطة الحكومية التابع لها المعني بالأمر (المادة 13 من المرسوم رقم 2.12.412)
2 –الإعفاء، إذ يُعفى بمرسوم الأشخاص المُعينون في أحد المناصب العليا، إما بناء على طلبهم، أو إثر تعيين من يخلفهم، أو باقتراح مُعلَّل للسلطة الحكومية المعنية يُرفَع إلى رئيس الحكومة للبت فيه (المادة 11 من المرسوم رقم2.12.412)
وإذا كان الأمر كذلك فهل الخازن العام للمملكة الذي سيُعين مستقبلا يخضع لمسطرة الإعفاء المُبينة أعلاه؟ الجواب بالطبع نعم…باعتبار أن منصب الخازن العام للمملكة يندرج ضمن المناصب العليا الواردة في الفصل 92 من الدستور في دائرة مديري الإدارات المركزية بالإدارات العمومية، والتي يتم التداول بشأنها في مجلس الحكومة ويتم التعيين فيها بمرسوم.
لكن هل تنطبق نفس إجراءات الإعفاء على الخازن العام للمملكة المُعين بظهير شريف في ظل دستور 1996 والمُعفَى مُؤخرا من مهامه؟
قد يتمسك البعض بِتوازِي الشكليات والقول بأن سلطة التعيين ترجع لها حصرا مهمة إنهاء المهام…ونحن نتفق مع هذا الطرح لَوْ ظَلَّ دستور 1996 ساريا إلى تاريخه….لكن وحيث أن التعيين تم في ظل دستور 1996 وَوفْقا لإجراءاته، وذلك بخلاف الإعفاء الذي تم اعتماده تحت سماء دستور 2011 الذي نَسَخ في فصله 180 نَص دستور 1996 مع مراعاة بعض المقتضيات الانتقالية …وبَدَاهَة مِن جُملة ما تم نسخه ضِمنيا مسطرة التعيين في المناصب العليا بالإدارات العمومية.
وبناء عليه، فإن تعيين الخازن العام للمملكة المَعْني تَمَّ بظهير شريف إِبّان سريان دستور 1996، أما الإعفاء الذي تم في ظل دستور 2011 فهو يخضع لأحكام هذا الدستور ولمُقتضيات القانون التنظيمي رقم 02.12 وللمرسوم رقم 2.12.412، وبالتالي إما أن يكون الخازن العام للمملكة بلغ سن الإحالة على التقاعد وأُنهِيت مهامه بقرار للسلطة التابع لها، أو تم الإعفاء تطبيقا للمادة 11 من المرسوم رقم2.12.412 وذلك إما بناء على طلبه، أو إثر تعيين من يخلفه( لم يعين أي خلف له باستثناء تعيين مسؤول بالنيابة لمدة ثلاثة أشهر) ، أو باقتراح مُعلل للسلطة الحكومية التابع لها يُرفع إلى رئيس الحكومة للبت فيه.
ولئن كان من المفترض أن الاعفاء تَمَّ وفق المنظور القانوني الصِرف تَبعًا للحالات المذكورة أعلاه والمتجسدة في الإحالة على التقاعد لبلوغ حد سن، أو الإعفاء حسب المادة 11 من المرسوم رقم 2.12.412، فإن هذا لا يَنفِي أن يكون قد تم الإِيعاز بإنهاء مهام الخازن العام للمملكة، لأسباب لا نُحيط بها ولا نستطيع، من لدُن جهة غير السلطة التي يتبع لها المعني بالأمر وخارج المسار المبين آنفا.