تعذر البت... عذر مانع أم خطأ إجرائي؟ قراءة في قرار المحكمة الدستورية رقم 26/277

تعذر البت... عذر مانع أم خطأ إجرائي؟ قراءة في قرار المحكمة الدستورية رقم 26/277

شكل مشروع القانون رقم 66.23 المقدم من الحكومة تحت عنوان إصلاح مهنة المحاماة والذي انتهت إجرءات التصويت عليه في مجلسي البرلمان على التوالي في 26ـ 27 يوليو 2026، تحت القصف المتبادل بين وزير العدل وجسم المحاماة، الحدث الذي لا زال يهز الساحة القانونية والقضائية منذ ما يزيد عن ثلاثة أشهر.

وتناسل هذا الحدث عن حدث قانوني ودستوري أثار جدلا مقرونا بتوجس في أوساط مهنة المحاماة التي كانت تترقب قرارا للمحكمة الدستورية يضع حدا للسجال القانوني والمهني بشأن القانون، ليأتي قرار المحكمة الدستورية رقم 26/277 ليزيد الوضع غموضا ويثير نقاشا بين من يرى أن المحكمة الدستورية قد استنفدت وسائلها وفق ما يقتضيه مبدأ الحياد، وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأن اللوم يقع على جهة الإحالة التي أغفلت أو حسب ظن البعض حتى تعمدت عدم إرفاق الوثيقة الحاسمة في البت في الإحالة، بينما تساءل البعض بخصوص مآل القانون بعد القرار، وبالتبع مسار المؤاخذات والعيوب التي هي مدار احتجاجات أولياء مهنة شريكة للقضاء في تحقيق شروط المحاكمة العادلة كمطلب حقوقي ودستوري.

وبعيدا عن أي حكم قيمة، تتغيا هذه الورقة تقديم قراءة قانونية للقرار على ضوء المبادئ المؤطرة للصنعة القضائية، ووفقا للقواعد المعتبرة في التعليق القانوني على الأحكام والقرارات القضائية.

ولنبدأ بمنطوق القرار الذي نصه بعد التعليل ( تصرح بتعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66,23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة على حالها…)

منطوق القرار جاء بصيغة تقريرية تصرح وتعلن أنه بسبب عدم إرفاق الجهة المحيلة رسالة الإحالة بنسخة مطابقة لأصل نص القانون المراد مراقبة دستوريته، تعذر على المحكمة البت في الإحالة… وهي صيغة لتقرير حالة واقعية، لا علاقة له بتقنية صياغة منطوق الأحكام والقرارات التي تتضمن بالضرورة حكما على الحالة على حالها، لا مجرد استخلاص نتيجة هي تحصيل حاصل للعيب الذي شاب الإحالة.

وقد درجت المحكمة الدستورية على نفس المنطوق في عدد من قراراتها، نذكر منها القرار رقم31.17 بتاريخ 27 يوليوز 2017 بشأن النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والقرار 96.19 بتاريخ 2 شتنبر 2019 بشأن النظام الداخلي لمجلس المستشارين، بما يخشى معه أن يصبح  » اجتهادا » قارا للمحكمة.

نفهم أن المحكمة الدستورية بهذا المسلك تحاول أن تضع لها صيغا ومفاهيم تميزها عن الجهات القضائية الأخرى باستبعاد صيغ مثل عدم قبول الإحالة شكلا الدارج في أحكام القضاء، وفي هذه الحالة نفضل أن يكون المنطوق مثلا هو: الحكم بعدم صحة الإحالة أو حتى عدم نظامية الإحالة إجرائيا، أو أي منطوق بهذا المعنى، بدل تكريس منطوق يحمل مسؤولية عيب الإحالة للمحكمة نفسها حين تكتفي بمجرد التصريح بأنها تعذر عليها البت في الإحالة، بل يفتح الباب أمام توجس بكون المحكمة قد استنكفت عن البت لاعتبارات خارح القانون.

كما قد نفهم أن المحكمة تحاول خلق قاموس ينزع عن قراراتها تلك الصرامة المميزة للأحكام الصادرة في مواجهة الأفراد والجماعات لصالح لغة دبلوماسية تستجيب لتقليدانية تليق بالتخاطب بين مؤسسات الدولة، عير أنه لا مناص في لغة الأحكام والقرارات من الجزم والقطع وصرامة التوصيف.

من جهة تعليل وأسباب القرار:

يستند تصريح المحكمة بتعذر البت في الإحالة إلى عدم إرفاق الجهة المحيلة لطلبها بنسخة أصلية أو مطابقة للقانون موضوع الإحالة.

وفي هذا الصدد، ينبغي التذكير بخصوص إجراءات تحقيق أي نزاع قضائي، أو أي طلب أو طعن يقدم أمام جهة قضائية، هناك مدرستان في التحقيق:

المدرسة الإتهامية أو المنهج الإتهامي Inquisitoire ; التي يلتزم فيها القاضي الحياد المطلق في إدارة المسطرة، ويمتنع عن أي تدخل في توجيه الأطراف، ويكتفي بالبت في الطلبات والدفوع كما تم تقديمها من الأطراف، ولا علاقة لمصطلح الإتهامي هنا بمعناه الجنائي الذي هو أصل المصطلح… وتنهج هذا الإتجاه غالبا الأنظمة القضائية الأنجلو سكسونية.

المدرسة أو المنهج التحقيقي Réquisitoire وهو بخلاف التوجه السابق يعترف للقاضي بدور إيجابي في إدارة وتدبير إجراءات النزاع في حدود ما يتطلبه تحقيق الدعوى واستكمال عناصر البت فيها. وهو المنهج الجاري به العمل في الأنظمة القانونية ذات الأصل الروماني الجرماني، التي ينتمي إليها النظام القانوني والقضاء المغربي، كما تدل على ذلك المقتضيات المتكررة في قانون المسطرة المدنية باعتبارها الشريعة العامة في الإجراءات، والتي تلح على إنذار الأطراف بتصحيح الخلل الإجرائي كلما كان الإجراء قابلا للتصحيح Régularisable في مقابل الإجراءات غير القابلة للتصحيح Irrégularisable كما هو الشأن بالنسبة لأجل الطعن، أو تقديمه أمام جهة غير مختصة.

والذي يبدو أن المحكمة الدستورية قد نحت نحو المنهج الإتهامي الذي يحد من سلطات القاضي في إدارة وتدبير إجراءات القضية، ولهذا أمسكت المحكمة عن تكليف الجهة المحيلة بالإدلاء بالنص الذي يتوقف عليه البت في الإحالة، وهو في اعتقادنا توجه غير موفق، ولا يتناسب مع طبيعة الإحالات التي ترد على المحكمة، والتي لا تكتسي بأي حال صبغة نزاعية، ولا شيء يلزم المحكمة الدستورية بتقوقع حيادي إزاء طلب ذي طبيعة عينية موضوعية لا يكتسي صبغة نزاعية بين طرفين، رغم الحلاف المحتدم حوله بين الفرقاء الذي لا ينبغي بأي حال أن يؤثر على منهخ المحكمة في تدبير إجراءاتها بما يقتضيه البت في موضوع الإحالة.

بل إن جل اختصاصات المحكمة الدستورية من هذا القبيل ومن هذه الطبيعة، إذا استثنينا الطعون الانتخابية التي يتواجه فيها الأطراف في نزاع صريح حول شرعية انتخاب طرف دون الآخر.

عدا هذه الفئة من المنازعات، التي هي في الحقيقة منازعات ذات صبغة إدارية، يحكمها القانون التنظيمي للانتخابات، ولا تكتسي أي صبعة دستورية، تبدو الاختصاصات الأصلية للمحكمة بخصوص مراقبة دستورية القوانين ( المادة 21 ) من القانون التنظيمي للمحكمة والأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان (المادة 22) الأنظمة الداخلية للمجالس المنظمة بموجب قوانين تنظيمية ( المادة 23 ) الالتزامات الدولية ( المادة 24 ) النظر في الدفع بعدم دستورية القوانين ( المادة 28 ) الإذن يتغيير التشريع شكليا بمرسوم طبقا للفصل 73 من الدستور (المادة 29 ) الخلاف الناشئ بين الحكومة والبرلمان بشأن مجال التشريع والمجال التنظيمي الخاص للحكومة طبقا للفصل 79 من الدستور ( المادة 29 ) مراقبة عملية الاستفتاء، وإجراءات المراجعة الدستورية ( المادة 40 وما بعدها ).

كلها اختصاصات لا تكتسي أي صبغة نزاعية، وتعرض على المحكمة في شكل إحالات من الملك أو البرلمان أو الحكومة، أو رؤساء المجالس المنظمة بموجب قوانين تنظيمية في صيغة طلب فتوى دستورية من المحكمة تعلن وتنطق بحكم الدستور في النازلة، بما يضفي على المحكمة الدستورية صبغة هيئة سامية عليا للإفتاء والفتوى في النوازل الدستورية أكثر منها محكمة بالمعنى القضائي للمحكمة الذي يعني الفصل في منازعات بين أطراف بشأن مراكز وأوضاع قانونية.

وتكتسي فتواها صبغة وطبيعة قرارات ملزمة بحكم الدستور لجميع السلطات والمؤسسات والهيئات وحتى الأفراد والجماعات، باعتبار قرارها هو عنوان الحقيقة وحكم الدستور بحيث يمتنع بعد القرار أي تعقيب أو جدال بخصوص النازلة، باستثناء التعقيب الفقهي والعلمي الهادف إلى تطوير الاجتهاد الدستوري.

ولذلك نفضل التسمية السابقة للمؤسسة ( المجلس الدستوري ) الذي يلائم الوضع الدستوري للمؤسسة وطبيعة الاختصاصات والرسالة المنوطة بها كمرجعية دستورية عليا، بدل وصف المحكمة الذي يجعلها تندرج ضمن مكونات السلطة القضائية، كما لا نحبذ إثقال كاهلها بمنازعات انتخابية ذات طبيعة إدارية محضة، تقع تحت طائلة القانون التنظيمي المتعلق بالانتخابات، كان الأجدر إسنادها إلى الغرفة الإدارية بمحكمة النقض، ولا يجدي تبرير هذا إسناد ها إلى المكمة الدستورية بمعيار مآل المرشح الذي سيصبح عضوا في مؤسسة دستورية، طالما أن ذلك لم يحصل بعد واقعا ويبقى في حكم الاحتمال.

هذا الوضع الدستوري الاعتباري للمؤسسة، هو ما يخولها سلطات موسعة في اتخاذ أي إجراء يقتضيه البت في طلبات الإحالة الموضوعة بين يديها، والنطق فيها بحكم الدستور.

لكل هذه الاعتبارات نرى أن الإحجام عن البت بسبب عدم اكتمال عناصره، ناتج عن حطإ مزدوج من الجانبين: من الجهة المحيلة التي قصرت في تجهيز ملف الإحالة بالوثيقة اللازمة. ولعلها لو استعانت بمحام متمرس في الإجراءات المسطرية، ما كانت لتقع في هذا الخلل المسطري البسيط. ومن جهة المحكمة، بعدم استعمالها سلطاتها الموسعة في التدبير الإيجابي لسير المسطرة بما يمكنها من النفوذ إلى جوهر الإحالة.

وبخصوص مآل القانون بعد قرار المحكمة، فالمفروض مبدئيا طالما أن جهة الإحالة قد اختارت أن تبادر بإحالة القانون على المحكمة بهدف وغاية مراقبة مدى مطابقته أو عدم مطابقته للدستور، فإن هذا الاختيار يلزمه طبقا لقاعدة من اختار لا يرجع، وبغير ذلك يكون نشر القانون مبادرة لفرض الأمر الواقع، وتمرير قانون يحمل بذور تشكك مشروع بشأن دستوريته.

 

 

 

 

شارك المقال