احتضن الرواق المشترك للهيئات الدستورية بالمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، يوم الأحد، لقاءً ثقافياً خُصص لتقديم ومناقشة كتاب “1000 إزري من الريف” للمؤلف المغربي أحمد زاهد، وذلك بمشاركة الكاتبة فتيحة السعيدي، والناشطة المغربية المقيمة ببروكسل، في حوار سلط الضوء على أبعاد هذا العمل الذي يجمع بين الإبداع الأدبي والبحث في قضايا الإعلام والتنوع الثقافي.
ويُعد هذا الإصدار، المدعوم من مجلس الجالية المغربية بالخارج، مساهمة نوعية في توثيق التراث الثقافي اللامادي بمنطقة الريف، خاصة ما يتعلق بفن “الإزران”، من خلال التركيز على ذاكرة الهجرة بمختلف تجلياتها، سواء المرتبطة بالحروب أو البحث عن العمل أو لمّ شمل الأسر.
وأوضح أحمد زاهد، خلال هذا اللقاء الذي أدار أشغاله الباحث فؤاد أزروال من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، أن عمله يغطي أزيد من 116 سنة من الذاكرة الفنية المغربية، مستنداً إلى ريبيرتوار يضم أكثر من 40 فناناً وفنانة، إضافة إلى آلاف النصوص الشعرية الموثقة، مؤكداً أن المشروع لا يقتصر على الجمع والتوثيق، بل يمتد إلى تحليل الدلالات واستحضار السياقات التاريخية والاجتماعية التي نشأت فيها هذه الأشعار.
وأشار زاهد إلى أن كل “إزري” يرتبط بسياقه الخاص، سواء خلال فترات الحرب الأهلية الإسبانية، أو في سياق الهجرة نحو الجزائر، أو موجات الهجرة إلى أوربا، مبرزاً أن الكتاب يرصد التحولات التي عرفها مجتمع الريف من خلال ذاكرته الجماعية المشتركة.
ويمتاز الكتاب بتقديم نصوص “الإزران” بثلاثة أنظمة كتابية: الحرف العربي، والحرف اللاتيني، وحرف تيفيناغ، في محاولة لتوسيع دائرة القراءة وضمان وصول هذا التراث إلى مختلف الفئات، مع توثيق مصادر الأشعار وتقديم شروح مبسطة لمضامينها، بما ييسر فهم دلالاتها وأبعادها.
من جانبها، استعرضت الكاتبة فتيحة السعيدي في مستهل اللقاء أبرز ملامح مؤلفها “تحت أزران التراث”، الذي يلتقي مع عمل زاهد في الاشتغال على الشعر والغناء بمنطقة الريف، مشيرة إلى أن “الإزران” شكل من أشكال الإبداع النسائي الذي انتقل شفوياً عبر الأجيال، وظل حاضراً حتى في سياق الهجرة، خاصة لدى الشباب.
وأكدت السعيدي أن هذا الفن الشعري يمثل فضاءً حراً للتعبير بالنسبة للمرأة، بعيداً عن القيود المجتمعية، لما يقوم عليه من خيال ورمزية.
كما نوهت بالمجهود البحثي الذي بذله أحمد زاهد، والذي اتسم بنَفَس نضالي في جمع وتصنيف آلاف الأبيات الشعرية، والاستماع إلى عشرات المقاطع الغنائية، قبل انتقاء ألف “إزري” من مجموع يتجاوز ستة آلاف نص.
وفي تحليله لمضامين الكتاب، أبرز زاهد أن تيمة الهجرة تشكل محوراً أساسياً في هذه الأشعار، باعتبارها جزءاً من التجربة اليومية لأبناء الريف، سواء في سياق التجنيد خلال المرحلة الاستعمارية، أو الهجرة نحو الشرق، ثم أوربا لاحقاً، مضيفاً أن العمل يطرح أيضاً إشكالية استمرار تداول الشعر الأمازيغي في نطاق الشفاهية، رغم انتشاره بين أفراد الجالية عبر منصات التواصل الاجتماعي.
من جهته، اعتبر فؤاد أزروال أن أهمية هذا العمل تكمن في إدخاله لمفاهيم جديدة في الشعر الأمازيغي، وإسهامه في صون التراث الثقافي واللغوي للريف من الاندثار، فضلاً عن نقله لتجربة الهجرة عبر “الإزران” إلى الأجيال الجديدة.
وفي تفاعله مع مداخلات المشاركين، أكد أحمد زاهد أن الكتاب يقدم قراءة دقيقة للحياة اليومية لسكان الريف، من خلال نصوص شعرية مرفقة بشروح وتحديد لمواضيعها، مشيراً إلى أن تصنيف “الإزران” تم وفق تيمات كالهجرة والحرب والمقاومة ومختلف مناحي الحياة.
وختم بالقول إن هذا العمل يشكل “كرونولوجيا شعرية” لذاكرة الريف تمتد من سنة 1909 إلى 2024، وتتيح للقارئ فهماً أعمق للعقلية الريفية ولمختلف التحولات التاريخية التي عرفتها المنطقة.