ندوة تناقش أعمال الفيلسوف الأندلسي ابن رشد كمرجع فلسفي في فهم العلاقة بين العقل والإيمان

04/05/2026 - 18:30
ندوة تناقش أعمال الفيلسوف الأندلسي ابن رشد كمرجع فلسفي في فهم العلاقة بين العقل والإيمان

أجمع المشاركون في ندوة “راهنية فكر ابن رشد”، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، على أن أعمال الفيلسوف الأندلسي ابن رشد ما تزال تمثل مرجعًا فلسفيًا أساسيًا في فهم العلاقة بين العقل والإيمان، رغم مرور تسعة قرون على ميلاده بقرطبة، مستحضرين إرثه الفكري القائم على إعمال النقد وإعلاء شأن العقل.

الندوة، التي انعقدت يوم السبت 2 ماي الجاري، أطرها الباحث فؤاد مليح، الأستاذ المحاضر بجامعة لورين بفرنسا، بمشاركة الفيلسوف علي بن مخلوف، الأستاذ بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية وعضو المعهد الدولي للفلسفة، إلى جانب إسماعيل أصبان، أستاذ الفلسفة العربية الكلاسيكية بالمؤسسة ذاتها.

وأكد علي بن مخلوف في الندوة المنظمة في إطار البرنامج الثقافي لمجلس الجالية المغربية بالخارج أن راهنية ابن رشد لا تُفهم إلا باستحضار خصوصية خطابه الفلسفي، الذي لم يكن موجها للعامة، وهو ما ساهم paradoxically في استمراريته عبر الزمن. وأوضح أن الدقة المفاهيمية التي ميزت فكره، خاصة في مجالات القياس العقلي والشرعي والتمييز بين مستويات التفكير، شكلت درعًا واقيًا ضد النسيان، مشيرًا إلى أن “الفكر الذي يتطلب جهدًا في الفهم هو القادر على عبور العصور”.

وتوقف المتدخل عند مفهوم “القياس” باعتباره أحد الأعمدة المركزية في فلسفة ابن رشد، حيث يقوم على الربط بين مقدمات عبر حدٍّ وسيط، بما يمنح العقل طابعه المتوازن القائم على المقارنة بدل الأحكام القطعية.

وفي سياق علاقته بفلسفة أرسطو، أبرز بن مخلوف أن ابن رشد تميز بلقب “الشارح الأكبر”، نظرًا للدور الحاسم الذي لعبته شروحه في نقل الفكر الأرسطي إلى أوربا خلال العصور الوسطى، مؤثرًا في فلاسفة كبار مثل توما الأكويني، رغم الجدل الذي أثارته أطروحاته، خاصة حول وحدة العقل.

ولم يقتصر حضور ابن رشد على الفلسفة، بل امتد إلى المجال القانوني، حيث اعتبر بن مخلوف أن توظيفه لمفهوم “الفتوى” كآلية استشارية أتاح له إدخال التفكير الفلسفي إلى فضاءات كانت تتحفظ عليه، عبر استعمال مفاهيم ذات مشروعية دينية مثل “الحكمة” و“الفكر”.

وأضاف أن ابن رشد، الذي جمع بين صفات الطبيب والقاضي والفيلسوف، لم يُعرف في حياته أساسًا كفيلسوف، رغم أن أثره الفكري كان حاسمًا في مجالات متعددة. ومن مفارقات التاريخ، أن أعماله الفلسفية حظيت باهتمام أوسع من كتاباته القانونية، رغم أهميتها.

وأشار بن مخلوف إلى أن ابن رشد نجح في نقل مفاهيم دينية، مثل العدالة، إلى فضاء إنساني أوسع، وهو مسار سيجد صداه لاحقًا لدى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، مؤكدًا أن فكره أرسى إمكانية وجود أرضية مشتركة بين مختلف التقاليد الدينية والفكرية.

كما ذكّر بأن فكر ابن رشد أثار جدلاً واسعًا شرقًا وغربًا، حيث مُنعت بعض أعماله في باريس خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر، إلا أن قاعدته الشهيرة “الحق لا يضاد الحق” ظلت صامدة أمام محاولات الطمس، مما يعكس عمق راهنيته.

من جهته، استعرض إسماعيل أصبان تطور العلاقة بين الفلسفة وعلم الكلام، مشيرًا إلى أن النقاش بينهما يعود إلى بدايات الفكر الإسلامي، خاصة مع أعمال ابن سينا. وأوضح أن مرحلة ما بعد ابن رشد شهدت بروز اتجاهات جديدة، من بينها أعمال فخر الدين الرازي، الذي مزج بين المنطق والكلام.

وأكد أن المنطق أصبح أداة مركزية لدى مختلف التخصصات العلمية، من الفقه إلى الطب، مشيرًا إلى أن المتأخرين اعتمدوه لتطوير أدوات الاستدلال واستنباط معانٍ لم يتوصل إليها المتقدمون.

وفي ما يخص المفاهيم، اعتبر أصبان أن استعمال مصطلح “الحكمة” كان بديلاً تداوليًا لمفهوم “الفلسفة” لدى علماء الشريعة، تفاديًا لحساسيته، رغم أن المفهومين يعبران في جوهرهما عن نفس الدلالة.

كما توقف عند تفاعل الفكر المغربي مع تراث ابن رشد، مبرزًا أن عددًا من العلماء المغاربة انخرطوا مبكرًا في نقد وتحليل أعماله، مثل “تهافت التهافت” و“الكشف عن مناهج الأدلة”، داعيًا إلى تعميق البحث الأكاديمي في هذا المجال لفهم دينامية التلقي في الغرب الإسلامي.

وتؤكد مداخلات الندوة أن فكر ابن رشد لا يزال يحتفظ براهنيته، ليس فقط كتراث فلسفي، بل كأداة تحليلية قادرة على إعادة طرح أسئلة العقل والإيمان في سياقات معاصرة، بما يفتح آفاقًا جديدة للتفكير في العلاقة بين الدين والعقل في عالم متغير.

شارك المقال