تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة 17: ثورة المعطيات بين الوعد التكنولوجي والثقافة التي تحتاج إلى بناء

09/08/2026 - 21:02
تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030  الحلقة 17: ثورة المعطيات بين الوعد التكنولوجي والثقافة التي تحتاج إلى بناء

دخلت المنظومة التربويّة المغربيّة، منذ عقد، عصر القيادة بالمعطيات. ثلاث وعشرون تطبيقا معلوماتيّا، وأكثر من أربعين قاعدة بيانات، ونظام معلومات يغطّي قرابة 12 ألف مؤسّسة: الهندسة التقنيّة مذهلة. « MASSAR »، و »TAFTICH »، و »GRESA »، ولوحة القيادة الاستراتيجيّة – زوّد المغرب نفسه بأدوات تحسدها عليها كثير من الدول النامية. ويشير تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول تقييم أداء المؤسّسات التعليميّة بالمغرب (2024) إلى أن نظام المعلومات في البلاد «عرف تطوّراً ملحوظاً خلال السنوات العشر الماضية». لكن هذا الإنجاز التكنولوجي يطرح سؤالاً جوهريّاً: هل ثقافة المعطيات تغلغلت حقاً في ممارسات الفاعلين التربويّين؟ المعيار 9.1 من تقييمنا، الذي يتناول قدرة المنظومة على إرساء ثقافة حقيقيّة للمعطيات وتفعيل نظام معلومات مندمج لتحسين الأداء بشكل مستمرّ، يكشف عن مفارقة صارخة. تقدّم تقني ملحوظ، لكن حكامة مجزّأة، وتملّك غير متساوٍ، ومستعملون غير راضين تماما، وغياب صارخ لتقييم الأثر على الأداء. وتذكّرنا منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأنّ جمع المعطيات لا يكفي؛ بل يجب تحويلها إلى معلومات مفيدة للقيادة البيداغوجيّة. وهذا هو جوهر ثقافة المعطيات التي لا يزال المغرب بحاجة إلى بنائها.

المؤشر الأوّل: أنظمة معلومات منشورة، لكن تغطية وظيفيّة ناقصة

يقيس المؤشر الأوّل نسبة المؤسّسات التي تستعمل أنظمة المعلومات لجمع المعطيات ومعالجتها. وفي هذا المستوى، التقدّم لا يُنكر. « MASSAR » يُستعمل يوميّاً في جميع المؤسّسات للوظائف الإداريّة الأساسيّة. ووفق تقرير اليونسكو « الأضواء على إتمام التعليم الأساسي » (2025)، يجمع 63.3% من المديرين بانتظام معطيات حول التعلّمات عبر المنصّة، و78.3% يستعملونها لتوجيه المدرّسين. وتؤكّد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن نظام المعلومات في المغرب «عرف تطوّراً ملحوظاً خلال السنوات العشر الماضية»، بقواعد بيانات متكاملة تغطّي التلاميذ والمدرّسين والمؤسّسات والبنيات التحتيّة.

لكنّ حدوداً كبيرة لا تزال قائمة. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن غياب معايير جودة واضحة للمؤسّسات التعليميّة يشكّل «عائقاً حقيقيّاً أمام تطوير ممارسات التقييم والمتابعة والمواكبة الخارجيّة». ويؤكّد المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره لسنة 2024-2025، أنّ 7 وظائف أساسيّة فقط من أصل 17 مغطّاة بالكامل بتطبيقات معلوماتيّة، بينما 10 وظائف مغطّاة بشكل جزئي. وتوثيق العمليات يبقى محدوداً وجزئيّاً. وما زال قرابة 330 مؤسّسة من أصل 12 ألفاً لا تتوفّر على ولوج إلى الأنترنت، وهي فجوة رقميّة تمسّ أوّلاً المناطق القرويّة. وتلاحظ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أيضاً أن المؤسّسات والأكاديميّات والمديريات الإقليميّة ترى نفسها أكثر كمزوّدة للمعطيات لا كمستهلكة لها، ممّا يحدّ من الاستعمال الاستراتيجي للمعلومات المجمّعة. المؤشر الأوّل هو، بالتالي، محقَّق جزئيّاً.

المؤشر الثاني: أدوات مساعدة على القرار تعجز عن الإقناع

يقيس المؤشر الثاني رضا المسؤولين التربويّين عن نجاعة أدوات المساعدة على القرار. وهنا، التشخيص قاسٍ. تلاحظ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن السلطات الجهويّة والإقليميّة «تفتقر إلى الوضوح بشأن مسؤولياتها في دعم تحسين المؤسّسات، وإلى القدرات والموارد اللازمة للاضطلاع بها بفعالية». ويرى المجلس الأعلى للحسابات أن إطار الحكامة الحالي «لا يسمح بشكل كافٍ بضمان قيادة فعالة لنظام المعلومات». فغياب رؤية شاملة ومحدّثة، وضعف تحديد الأدوار والمسؤوليات، وغياب إطار لتقييم الاستثمارات المعلوماتيّة، كلّها عوائق أمام رضا المستعملين.

ويؤكّد تقرير اليونسكو هذا الاستنتاج. فتكوين المديرين يبقى متمركزاً حول الجوانب الإداريّة (93.2%) على حساب الدعم البيداغوجي للمدرّسين (45.8%). وتصرّ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على ضرورة «تطوير شبكات تقييم موحّدة للمدرّسين» وتنويع المعلومات المجمّعة «حول ممارسات التعليم والتعلّم». ومديرو المدارس غير الرائدة يعبّرون عن عدم رضاهم بشكل أوضح: 30.8% منهم غير راضين عن تأخّر معالجة طلباتهم من طرف المفتّشين، مقابل 14.3% فقط في المدارس الرائدة. أمّا المدرّسون، فيعترفون بصعوباتهم: «كفاءة ضعيفة في تكنولوجيا المعلومات والاتصال… المدرّسون لا يعرفون بعد كيف يستعملون « MASSAR »». المؤشر الثاني هو، بالتالي، غير محقَّق.

المؤشر الثالث: قيادة بالمؤشّرات لا تزال بحاجة إلى ترسيخ

يقيس المؤشر الثالث نجاعة أنظمة المعلومات في قيادة مؤشّرات الأداء. توصي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بتوفير «معطيات مقارنة وسهلة الولوج حول المؤشّرات الكبرى للجودة»، لمساعدة المؤسّسات «على تتبّع تقدّمها في الزمن ومقارنة أدائها بأداء مؤسّسات مماثلة». لكن هذه القدرة مفقودة اليوم. فالمؤسّسات تتوفّر على معطياتها الخاصّة، لكنها لا تستطيع مقارنتها بالمعدّلات الجهويّة أو بمدارس مماثلة. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المعطيات المتاحة «لا تسمح بإجراء مقارنات منصفة بين المؤسّسات» في غياب قياس حقيقي للوضع الاجتماعي-الاقتصادي للتلاميذ.

وتتوفّر الوزارة على أكثر من 40 قاعدة بيانات نشطة دون هندسة مرجعيّة رسميّة. وهذا التجزؤ يمنع رؤية موحّدة ومندمجة للمعطيات. ويشكّل التشبع التقنيّ جرس إنذار: فقد بلغ معدّل استعمال الذاكرة من طرف « MASSAR » 80%، مع مستويات حرجة تتجاوز 90% خلال فترات الذروة. وتوصي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بـ«الاستفادة من تعميم البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات» للحصول على معطيات موثوقة حول التعلّمات على مستوى المؤسّسات. يبقى بالتالي المؤشر الثالث محقَّق جزئيّاً.

المؤشر الرابع: استعمال إداري، ليس بعد استراتيجياً

يقيس المؤشر الرابع نسبة استعمال نظام المعلومات المندمج في عمليات التدبير واتخاذ القرار. تؤكّد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن المغرب عرف «تقدّماً كبيراً في جمع المعطيات التربويّة»، لكن «ثغرات مهمّة لا تزال بحاجة إلى سدّ». « MASSAR » راسخ إداريّاً: فجميع المؤسّسات تستعمله مرّة واحدة على الأقلّ في الأسبوع. لكن استعماله البيداغوجي يبقى محدوداً. وتلاحظ المنظمة أيضاً غياب جمع للمعطيات «حول ممارسات الحكامة والقيادة في المؤسّسات»، ممّا يحدّ من القدرة على تقييم وتحسين هذه الأبعاد الأساسيّة.

ويؤكّد تقرير MATHEMATICA (2026) أن « MASSAR » يُعتبر أداة إداريّة، مع استعمال محدود لتحديد ثغرات التعلّم، أو تخطيط علاجات، أو تكييف التعليم. والفوارق واضحة: فالمدارس الرائدة تستعمل « MASSAR » بشكل أكثر كثافة لمتابعة تنفيذ مشروع المؤسّسة المندمج (+16 نقطة مئويّة)، لكن هذه الممارسة الجيّدة تبقى محصورة في جزء من المنظومة. وتوصي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بـ«توفير استبيان للمؤسّسات حول ممارسات القيادة والتدبير» لسدّ هذه الثغرات. المؤشر الرابع هو محقَّق جزئيّاً.

المؤشر الخامس: مستعملون غير راضين

يقيس المؤشر الخامس رضا المستعملين عن نظام المعلومات. توصي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بتطوير «شبكات تقييم موحّدة للمدرّسين» والاعتماد على «استقصاءات لدى المدرّسين، وملاحظات صفيّة بين الأقران، ومجموعات نقاش» لتنويع المعلومات المجمّعة. واليوم، تشير المعطيات المتاحة إلى عدم رضا مستمرّ. فالمجلس الأعلى للحسابات يشير إلى ثغرات في الحكامة. والمدرّسون يجدون صعوبة في استعمال « MASSAR ». ومديرو المدارس غير الرائدة أكثر عدم رضا من نظرائهم في المدارس الرائدة. ولا تتوفّر أيّ معطيات منهجيّة عن رضا الآباء والتلاميذ. وتصرّ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على ضرورة «وضع جهاز لتقييم رضا المستعملين». المؤشر الخامس هو محقَّق جزئيّاً.

المؤشر السادس: النقطة العمياء للإصلاح

أمّا المؤشر السادس، الأكثر طموحاً، فيقيس نسبة تحسّن الأداء بفضل استعمال نظام المعلومات. ويلاحظ المجلس الأعلى للحسابات «غياب إطار شامل لتقييم قرارات الاستثمار المعلوماتي». وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن «قياساً حقيقيّاً للوضع الاجتماعي-الاقتصادي للتلاميذ غير متوفّر حالياً»، وأن «المعطيات التي تسمح بتقييم التعلّمات بشكل موثوق وصحيح محدودة جدّاً». وتوصي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بـ«تعميم البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات بشكل مخفّف في الابتدائي والثانوي بهدف تقييم أداء التلاميذ على مستوى المؤسّسة». وبدون هذه المعطيات، يستحيل قياس أثر نظام المعلومات على الأداء. المؤشر السادس يُصنّف بأنه غير محقَّق.

رهان ثقافة المعطيات

التشخيص واضح: أجاد المغرب في تطوير بنية تقنيّة من الدرجة الأولى، لكنه لم ينجح بعد في إرساء ثقافة حقيقيّة للمعطيات. توصي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بـ«تحسين قياس الوضع الاجتماعي-الاقتصادي لتقييم العدالة داخل المؤسّسات وإجراء مقارنات منصفة بينها». وتدعو أيضاً إلى «توفير استبيان للمؤسّسات حول ممارسات القيادة والتدبير»، وإلى «تطوير شبكات تقييم موحّدة للمدرّسين». فالحكامة مجزّأة، وتكوين المستعملين غير كاف، والاستعمال البيداغوجي للمعطيات محدود، والأثر على الأداء غير مقاس.

لكي يكون المعيار 9.1 محقَّقاً بالكامل، تبرز عدة ورشات. وضع رؤية شاملة ومحدّثة لنظام المعلومات. دمج قواعد البيانات حول هندسة مرجعيّة موحّدة. تعزيز تكوين المستعملين على الاستعمال البيداغوجي للمعطيات. وضع جهاز لتقييم رضا المستعملين. والأهمّ، تقييم أثر نظام المعلومات على الأداء.

تذكّر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن نظام المعلومات لديه القدرة على توفير «معطيات موثوقة وقابلة للمقارنة حول جودة المؤسّسات». لكن هذه الإمكانية لن تتحقّق إلا إذا ترسخت ثقافة المعطيات في ممارسات جميع الفاعلين. وتتلاقى توصيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والمجلس الأعلى للحسابات وتقرير اليونسكو حول أولويّة واحدة: جعل المعطيات رافعة للتحوّل البيداغوجي، لا مجرّد أداة للتدبير الإداري. ثورة المعطيات في المدرسة المغربيّة تسير. لم تنتصر بعد في الأذهان والممارسات. لقد ولّى زمن البنى التحتيّة. وحان زمن ثقافة المعطيات.

 

شارك المقال