هل انتقلت المحكمة الدستورية في تعاملها مع الشروط الشكلية للرقابة القبلية على القوانين، من منهج المرونة والحلول التلقائي إلى منطق الصرامة الإجرائية والتطبيق الضيق لقواعد الاختصاص
فعند المقارنة بين القرار رقم 255/25 م.د المتعلق بقانون المسطرة المدنية، والقرار رقم 277/26 م.د المتعلق بقانون تنظيم مهنة المحاماة، تضح أن المحكمة في القرار الأول الصادر بشأن قانون المسطرة المدنية، اتجهت المحكمة نحو إعمال الفعالية والواقعية القضائية لتجاوز خطأ شكلي صدر عن رئيس مجلس النواب، حيث أرفقت رسالة الإحالة الموجهة من رئيس المجلس بنسخة غير نهائية تمثلت في مشروع القانون كما صادق عليه مجلس النواب فقط، غير أن المحكمة الدستورية، بادرت إلى استكمال ملف الدعوى عبر مسطرة خاصة سميت بمسطرة استحضار الصيغة النهائية للقانون كما صادق عليها مجلس المستشارين، بمعنى طلب نسخة نهائية من القانون لإتمام الملف، متجاوزة العيب الإجرائي للجهة المحيلة للقيام برقابة دستورية على الموضوع
وفي المقابل نحت المحكمة بخصوص قانون تنظيم مهنة المحاماة عكس هذا التوجه، حينما وردت الإحالة من رئيس مجلس النواب مرفقة بتقرير للجنة برلمانية يتضمن مشروع القانون قبل تمام الموافقة النهائية عليه دون إرفاق النص النهائي المصادق عليه من مجلسي البرلمان، فبعد شهر من الانتظار فضلت المحكمة التمسك الحرفي بقواعد وشكليات الاختصاص، والتأسيس لقاعدة مفادها وجود تلازم عضوي لا تجزئة فيه بين « فعل الإحالة » والنص القانوني النهائي موضوع المراقبة
واعتبرت أن الاكتفاء بإرفاق تقارير الأعمال التحضيرية يجعل محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية ويشكل مانعا قانونيا يحول دون بسط رقابتها، لتنتهي إلى التصريح بتعذر البت في الإحالة على حالها بدلا من التدخل لتصحيح أخطاء جهة الإحالة
يعكس هذا التحول فلسفة جديدة للمحكمة الدستورية تنقل فيها القاضي الدستوري من دور المكمل للإجراءات الإدارية إلى دور الضابط لقواعد المنازعة الدستورية.
وهي رسالة توجيهية إلى المؤسسة التشريعية للتذكير بأهمية الانضباط الشديد للشروط الإجرائية القاضية بإرفاق النصوص القابلة للرقابة بصيغتها النهائية قبل وضعها بين يدي القضاء الدستورية فالمحكمة الدستورية لا تصحح أخطاء مجلس النواب مرتين؟
ويبقى مصير القانون حاليا أمام عدة احتمالات، فبدون استبعاد الممكنات الدستورية المخولة للملك، والتي تتعلق بطلب القراءة الثانية، يبقى أجل 30 يوما لإصدار ظهير الأمر بتنفيذ القانون وأجل الشهر لنشره في الجريدة الرسمية، مع التوقف عن دلالات استهلاك المحكمة الدستورية لكامل الأجل الدستوري المنصوص عليه في الفصل 132 من الدستور المتعلق ببت المحكمة الدستورية في دستورية القوانين، داخل أجل شهر من تاريخ الإحالة، والأثر الواقف للإحالة إلى المحكمة الدستورية على أجل إصدار الأمر بالتنفيذ، فاستهلاك أجل الشهر يؤدي الى عدم إمكانية إعادة وقف أجل اصدار الأمر بالتنفيذ مما يتعذر معه تصحيح مسطرة الإحالة، وضرورة استكمال مسطرة الإصدار أو النشر ما لم يتم تفعيل مسطرة طلب القراءة الثانية، وهو ما ينسجم مع ما ذهب له القضاء الدستوري الفرنسي في قراره Décision n° 2001-449 DC du 4 juillet 2001.