هل يمكن للبنك بيع دين المواطن دون موافقته؟ علي الغنبوري يوضح

31/08/2026 - 11:00
هل يمكن للبنك بيع دين المواطن دون موافقته؟ علي الغنبوري يوضح

لم يعد تعثر المواطن في أداء أقساط قرضه يعني بالضرورة استمرار علاقته بالبنك الذي منحه التمويل، إذ يمكن أن ينتقل الدين إلى جهة مالية أخرى، بما فيها مؤسسات أجنبية، في إطار عمليات بيع أو تحويل الديون.

وبينما تنظر البنوك إلى هذه العمليات كآلية لتدبير القروض المتعثرة وتخفيف المخاطر، تطرح بالنسبة للمدين أسئلة مباشرة حول هوية الدائن الجديد، وحدود صلاحياته، وشروط التفاوض معه.

وأوضح المحلل الاقتصادي علي الغنبوري، في تصريح ل »اليوم24″، أن بيع الدين يعني عمليا أن البنك المغربي يتنازل عن حقه في استخلاص دين لفائدة مؤسسة أخرى، قد تكون بنكا أجنبيا أو صندوقا استثماريا أو مؤسسة مالية متخصصة، مقابل مبلغ يتم الاتفاق عليه بين الطرفين.

وأشار الغنبوري إلى أن العملية لا تعني اختفاء الدين أو إنشاء قرض جديد بالنسبة للمواطن، وإنما تعني أساسا تغيير الدائن، مع انتقال الحقوق المرتبطة بالدين في الحدود التي يسمح بها القانون والعقد، مؤكدا أن هذا الانتقال يظل خاضعا للقواعد القانونية المغربية، خاصة المقتضيات المتعلقة بحوالة الحق المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود.

وبحسب المحلل الاقتصادي، فإن البنوك تلجأ إلى بيع الديون المتعثرة عندما تصبح احتمالات تحصيلها ضعيفة، أو عندما يتطلب استخلاصها وقتا طويلا وتكاليف مرتفعة، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات قد تستغرق سنوات من المتابعة القضائية والتنفيذ.

وأوضح أن البنك، بدلا من الاحتفاظ بدين متعثر، يمكنه تحويله إلى جهة متخصصة مقابل الحصول على سيولة فورية، حتى وإن كانت أقل من القيمة الاسمية للدين، وهو ما يسمح له بتخفيف حجم القروض المتعثرة في ميزانيته وتحسين مؤشرات المخاطر وتحرير جزء من موارده لتوجيهها نحو منح قروض جديدة.

في المقابل، تراهن الجهة التي تشتري الدين على قدرتها على تحصيل مبلغ يفوق السعر الذي دفعته مقابل اقتناء الدين، وهو ما يجعل العملية، وفق الغنبوري، مرتبطة بدرجة المخاطر واحتمالات الاسترجاع وقيمة الضمانات المرتبطة بالقرض.

وفي ما يتعلق بإمكانية بيع الدين دون موافقة المدين، أوضح الغنبوري  خلال حديثه للموقع، أن الأصل في حوالة الحق هو أن الاتفاق يتم بين البنك والجهة التي تشتري الدين، ولا تشترط موافقة المدين، من حيث المبدأ، على كل حوالة عادية. غير أن ذلك لا يعني إمكانية إلزام المواطن بالأداء للجهة الجديدة دون احترام الضوابط القانونية المتعلقة بإشعاره.

وأكد أن الحوالة لا تصبح نافذة في مواجهة المدين إلا بعد تبليغه بها أو قبوله لها في محرر ثابت التاريخ، مشيرا إلى أن المواطن الذي يؤدي الدين للبنك الأصلي قبل تبليغه بالحوالة تبرأ ذمته في الأصل.

كما لفت إلى وجود حالات خاصة تختلف عن الحوالة العادية، ما يجعل من الضروري التمييز بين عدم اشتراط موافقة المدين في بعض الحالات وبين عدم إشعاره بانتقال الدين.

وبخصوص قيمة الديون عند بيعها، أكد الغنبوري أن الدين يمكن أن يباع بأقل بكثير من قيمته الأصلية، لأن سعر البيع لا يساوي بالضرورة المبلغ المسجل في عقد القرض، وإنما يتحدد وفقا لاحتمالات استرجاع الدين، والوضعية المالية للمدين، والضمانات المتوفرة، ومدة التأخر في الأداء، إضافة إلى كلفة المساطر القضائية والتنفيذية.

وأوضح أن دينا بقيمة اسمية تبلغ مليون درهم، على سبيل المثال، يمكن أن يباع بمبلغ أقل بكثير إذا كانت احتمالات استخلاصه ضعيفة، مشيرا إلى أن الفرق بين القيمة الاسمية للدين وثمن اقتنائه يعكس مستوى المخاطر التي تراهن الجهة الجديدة على تحملها مقابل إمكانية تحقيق عائد من عملية التحصيل.

أما في حال توقف المواطن عن أداء أقساطه، فإن الجهة التي تملك حق التفاوض معه تتحدد بحسب الوضعية القانونية للحوالة، يقول الغنبوري، موضحا أنه إذا لم يتم انتقال الدين أو لم تصبح الحوالة نافذة في مواجهة المدين، فإن البنك الأصلي يظل الطرف الذي يتعامل معه المواطن.

أما إذا تمت الحوالة بصورة قانونية وتم تبليغ المدين بها، فإن الجهة التي آلت إليها الدائنية تصبح، من حيث المبدأ صاحبة الحق في المطالبة بالدين والتفاوض بشأنه.

وأضاف أن الجهة الجديدة قد تفوض البنك الأصلي أو شركة متخصصة للاستمرار في تدبير الملف وتحصيل الأقساط، ولذلك من حق المواطن أن يطلب توضيحا مكتوبا بشأن هوية الدائن الفعلي والجهة المخولة قانونا بالتفاوض معه واستقبال الأداء.

وشدد المحلل الاقتصادي على أن مجرد انتقال الدين إلى مؤسسة أخرى لا يمنحها، في الأصل الحق في تغيير شروط عقد القرض من جانب واحد، موضحا أن المواطن لا ينبغي أن يجد نفسه أمام فوائد جديدة أو آجال سداد مختلفة فقط بسبب تغيير الدائن.

وبحسب الغنبوري، فإن الحوالة تنقل الحق القائم بشروطه والتزاماته، بينما يحتاج تعديل نسبة الفائدة أو مدة السداد أو قيمة الأقساط إلى أساس قانوني أو تعاقدي، أو إلى اتفاق جديد في إطار إعادة جدولة الدين. وبالتالي، فإن انتقال الدائن لا يعني تلقائيا إعادة كتابة عقد القرض.

وفي ما يتعلق بإمكانية إعادة جدولة الدين أو تخفيض الفوائد والغرامات، أوضح الغنبوري أن المواطن المتعثر يستطيع الدخول في مفاوضات مع الدائن، سواء كان البنك الأصلي أو الجهة التي أصبحت تملك الدين، من أجل تمديد مدة السداد أو تخفيض قيمة الأقساط أو إعادة هيكلة المديونية أو التفاوض حول بعض الفوائد والغرامات المتراكمة.

غير أن هذه التخفيضات، يضيف المحلل لا تشكل حقا تلقائيا يمكن للمدين فرضه، وإنما تكون نتيجة تفاوض أو تسوية، بحسب طبيعة كل ملف والمقتضيات القانونية والتعاقدية التي تحكمه.

ويرى الغنبوري أن بيع الديون في حد ذاته يمثل آلية مالية معروفة لتدبير المخاطر وتحسين وضعية المؤسسات البنكية، غير أن انتقال محافظ كبيرة من ديون المواطنين إلى مؤسسات مالية أجنبية يطرح، في المقابل أسئلة تتعلق بالرقابة وحماية المعطيات والسرية البنكية، فضلا عن الجهة التي ستتولى اتخاذ القرارات المرتبطة بآلاف المدينين المغاربة.

وأكد أن الإشكال لا يكمن بالضرورة في جنسية الجهة التي تشتري الدين، وإنما في حجم العمليات وشروطها ومستوى الرقابة عليها والضمانات القانونية الممنوحة للمدينين، معتبرا أن العملية تظل أداة من أدوات تدبير المخاطر المالية ما دامت تتم في إطار شفاف وتحت رقابة قانونية ومؤسساتية واضحة.

أما إذا تعلق الأمر بانتقال محافظ ضخمة من ديون المواطنين إلى جهات خارجية، دون وضوح كاف بشأن آليات الرقابة وحماية المعطيات وحقوق المدينين، فإن الموضوع، بحسب المحلل الاقتصادي علي الغنبوري، يتجاوز مجرد عملية مالية ليطرح أسئلة أوسع حول السيادة المالية وحماية مصالح المواطنين.

شارك المقال