مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، يبدو المشهد السياسي المغربي وكأنه يُدفع دفعا نحو اختزال النقاش الانتخابي في أسئلة التدبير الاقتصادي والمالي، أي من أحسن إدارة المال العام؟ من تسبب في ارتفاع الأسعار؟ من نجح في تحسين مؤشرات هذا القطاع أو ذاك؟ ومن يتحمل مسؤولية تدهور القدرة الشرائية للمواطنين؟
لا شك أن هذه الأسئلة مشروعة، بل ضرورية في أي نظام ديمقراطي يقوم على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، غير أن الخطورة تكمن في تحويلها إلى الأسئلة الوحيدة التي تستحق النقاش، وكأن السياسة لا تتجاوز كونها عملية تدبير تقني للموارد، أو كأن الدولة ليست سوى شركة كبرى يُقاس نجاحها بحجم الأرباح والخسائر المسجلة في نهاية كل سنة مالية.
غير أن التجارب التاريخية الكبرى تعلمنا أن المجتمعات والدول لا تتعرض للتهديد بسبب الاختلالات الاقتصادية وحدها، مهما بلغت خطورتها، وإنما قد تواجه تحولات أكثر عمقا حين تتعرض منظوماتها المرجعية والثقافية والقيمية لإعادة تشكيل تدريجية تمس الأسس التي تنتظم حولها الجماعة الوطنية. فالأزمات المالية يمكن تجاوزها، والسياسات العمومية يمكن مراجعتها، والحكومات يمكن أن تتغير عبر صناديق الاقتراع، لكن التحولات التي تطال الهوية الجماعية للمجتمع تترك آثارا طويلة المدى قد تمتد لأجيال.
من هذا المنطلق، يبدو من المفيد أن يتجاوز النقاش الانتخابي الراهن حدود المؤشرات الاقتصادية إلى مساءلة التصورات المجتمعية التي تحملها الأحزاب السياسية، ذلك أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن يستطيع إدارة الاقتصاد بكفاءة أكبر، بل أيضا بمن يحمل تصورا أكثر انسجاما مع المرجعيات الثقافية والحضارية للمجتمع المغربي، ومن يسعى إلى إعادة تعريف تلك المرجعيات أو تعديلها.
ولعل هذه الزاوية من النقاش تظل الأقل حضورا في اللقاءات والتصريحات الانتخابية، رغم أنها تمس جوهر الاختيارات الاستراتيجية للأمة، فبينما انشغل الرأي العام طيلة الفترة الماضية بأسعار المحروقات ومعدلات النمو ونسب البطالة، وتضارب المصالح، جرت في العمق معارك فكرية وقانونية وثقافية تتعلق بموقع الأسرة، وبطبيعة العلاقات الاجتماعية، وبمفهوم الحريات الفردية، وبالمرجعيات التي تؤطر التشريع والسياسات العمومية.
وفي هذا السياق، من الضروري أن تختلف طبيعة النقاش حول مكونات الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها، فإذا كان النقد الموجه إلى حزب التجمع الوطني للأحرار أو حزب الاستقلال يتركز أساسا حول الحصيلة الحكومية ومستوى الأداء في تدبير الملفات الاقتصادية والاجتماعية، فإن النقاش المرتبط بحزب الأصالة والمعاصرة يجب أن يتجاوز سؤال التدبير إلى سؤال المرجعية والرؤية المجتمعية.
لأن هذا الحزب لم يخف يوما منذ تأسيسه، انشغاله بقيم المجتمع المغربي ومرجعيته الدينية، وعبّر مؤسسوه ومن تناوبوا على قيادته مرارا أن مبرر خروج حزبهم إلى الوجود هو مواجهة تيار سياسي يدافع عن هوية المجتمع المغربي ومرجعيته الدينية.
وليس هذا فحسب، بل إن الخطاب السياسي الذي تبناه عدد من قياداته خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسهم عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، قدم فيه نفسه باعتباره منخرطا وقائدا في معركة تحديث المنظومة القانونية المرتبطة بالأسرة والحريات الفردية وغيرها من القضايا المجتمعية الحساسة، معترفا في أكثر من مناسبة بوجود تباينات داخل مكونات الأغلبية الحكومية بشأن هذه الملفات، واصفا شريكيه في الحكومة بالمحافظين.
وهنا يصبح النقاش الانتخابي أكثر عمقا وأكثر أهمية، فالمسألة لا تتعلق فقط بالمفاضلة بين برامج اقتصادية متنافسة، بل بالمفاضلة بين رؤى مختلفة لمستقبل المجتمع المغربي، بمعنى أي صورة نريدها للأسرة المغربية، وللمرأة المغربية، وأي موقع نمنحه للمرجعيات الثقافية والدينية في التشريع؟ وأي توازن نسعى إلى تحقيقه بين مقتضيات التحديث والحفاظ على الخصوصية الحضارية للمجتمع؟
إن التاريخ يعلمنا أن الانتكاسات الكبرى لا تقع دفعة واحدة، بل تتراكم عبر تعديلات جزئية ومتدرجة، تبدو في لحظتها محدودة الأثر، قبل أن تفضي مع مرور الزمن إلى إعادة صياغة شاملة للمنظومة الفكرية والقيمية للمجتمع، ولذلك فإن النقاش حول هذه القضايا لا يقل أهمية عن النقاش حول الاقتصاد والتنمية، بل قد يكون أكثر تأثيرا على المدى البعيد.
لهذا قد يسامح الناخب حزبا أخطأ في تقدير اقتصادي، أو فشل في تدبير ملف اجتماعي، لكنه يكون أكثر تحفظا عندما يتعلق الأمر بخيارات يعتقد أنها تمس البوصلة الثقافية والقيمية للمجتمع، فالأرقام يمكن مراجعتها، والمؤشرات يمكن تحسينها، أما التحولات التي تطال المرجعيات المؤسسة للهوية الجماعية فتحتاج أحيانا إلى عقود طويلة لمعالجة آثارها.
إن الرهان الحقيقي في انتخابات 2026 لا ينبغي أن يقتصر على تقييم حصيلة خمس سنوات من التدبير الحكومي، بل يجب أن يمتد إلى مساءلة المشاريع المجتمعية التي تقف خلف البرامج الانتخابية، فالمواطن لا يصوت فقط لمن سيدبر شؤونه اليومية، بل لمن يساهم أيضا في رسم ملامح المجتمع الذي ستعيش فيه الأجيال القادمة.
ومن ثم، فإن الحاجة تبدو ملحة اليوم إلى إعادة التوازن للنقاش العمومي، بحيث يتم إدماج البعد الفلسفي والثقافي في عملية الاختيار الانتخابي، إلى جانب الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة أن الديمقراطية لا تقوم فقط على التنافس حول تدبير الموارد، وإنما أيضا على التنافس حول الرؤى والتصورات التي تحدد هوية المجتمع واتجاهه التاريخي، بل هذا هو جوهر التنافس الانتخابي في الدول الديمقراطية.
وفي النهاية، قد يختلف المغاربة حول الحزب الأقدر على إدارة الاقتصاد أو معالجة الاختلالات الاجتماعية، لكنهم يدركون أن بعض المعارك الانتخابية لا تدور فقط حول مستوى العيش، بل حول طبيعة العيش نفسها، وحول المجتمع الذي يريدون توريثه لأبنائهم بعد أن ينتهي ضجيج الحملات الانتخابية وتُطوى صفحات الشعارات.