%73 من التلاميذ المغاربة لا يبلغون الحد الأدنى في الكفايات الأساسية. و0.1 % فقط يصلون إلى أعلى مستويات الأداء.
بعض الأرقام تدعو إلى التوقف والسؤال كما هو الحال بالنسبة لنتائج المغرب في الدورة التاسعة من برنامج التقييم الدولي للتلاميذ PISA 2025
https://www.oecd.org/fr/publications/l-evaluation-de-la-performance-des-etablissements-scolaires-au-maroc_4f59bfc1-fr.html
فوراء المعدلات والنسب المئوية، هناك تلميذ مغربي في الخامسة عشرة من عمره، يجلس في فصل دراسي، ويحاول أن يفهم نصا، أو يحل مسألة رياضية، أو يفسر ظاهرة علمية. وحين تقول النتائج إن 73.2 في المائة من التلاميذ يوجدون تحت المستوى الأساسي في المجالات الثلاثة مجتمعة، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالترتيب الدولي فقط، بل بما إذا كانت المدرسة تمنح أطفالنا فعلا الأدوات التي يحتاجون إليها لفهم العالم من حولهم.
النتائج التي أعلنتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في 8 شتنبر 2026 تبدو واضحة على شكل أرقام لا تحتاج إلى كثير من الشرح.
التلاميذ المغاربة في سن الخامسة عشرة حصلوا، في المتوسط، على 358 نقطة في العلوم، و355 نقطة في الرياضيات، بينما لم يتجاوز متوسطهم في الفهم القرائي 321 نقطة.
وفي مجال حل المشكلات بواسطة التفكير الحاسوبي، بلغ المعدل 374 نقطة.
لكن المعدل وحده لا يحكي القصة كاملة.
القصة الأكثر إثارة للقلق تظهر عندما ننظر إلى توزيع التلاميذ حسب مستويات الأداء.
هناك 73.2 في المائة من التلاميذ الذين يوجدون دون المستوى الثاني، أي دون عتبة الكفاءة الأساسية في العلوم والرياضيات والفهم القرائي مجتمعة.
وفي الطرف الآخر من الصورة، لا تتجاوز نسبة الذين يصلون إلى المستويين الخامس والسادس، وهما أعلى مستويات الأداء، 0.1 في المائة فقط.
وهنا تتحول النتيجة من مجرد رقم في تقرير دولي إلى سؤال تربوي ومجتمعي كبير:
كيف يمكن لمدرسة أن تحقق تكافؤ الفرص إذا كانت أغلبية تلاميذها لا تصل إلى الحد الأدنى من الكفايات الأساسية؟
المشكلة ليست في التلميذ وحده.
من السهل، في مثل هذه الحالات، أن نضع المسؤولية على التلميذ: لم يدرس بما يكفي، لم يقرأ، لم يجتهد.
لكن PISA ينظر إلى المدرسة داخل محيطها الاجتماعي، وليس باعتبارها جزيرة منفصلة عن المجتمع.
وتكشف النتائج أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للأسرة يظل مؤثرا في الأداء. فمؤشر الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي يفسر 9.1 % من التباين في نتائج العلوم.
والأكثر دلالة أن نسبة التلاميذ المنحدرين من أوساط محرومة الذين يحققون، رغم ظروفهم، نتائج جيدة، لا تتجاوز 16.4 في المائة.
وهذا يضع المدرسة أمام مهمتها الأصعب: ألا تكتفي بنقل المعرفة إلى من يملكون أصلا ظروفا أفضل للتعلم، بل أن تكون قادرة على تعويض جزء من الفوارق التي يولد بها الأطفال خارج أسوارها.
ربما يكون الرقم المتعلق بالفهم القرائي هو الأكثر إثارة للتفكير 321 : نقطة.
فالقراءة هنا لا تعني فقط القدرة على نطق الكلمات أو فهم جملة بسيطة.
إنها القدرة على قراءة معلومة، وفهمها، ومقارنتها بمعلومة أخرى، واستخلاص استنتاج، واكتشاف التناقض، والتمييز بين الحقيقة والرأي.
وفي عصر تنتشر فيه الأخبار المضللة والمعلومات المقتطعة ومحتويات شبكات التواصل الاجتماعي بسرعة هائلة، تصبح القدرة على الفهم والتحليل أكثر من مجرد مهارة مدرسية.
إنها مهارة مواطن.
ولهذا فإن ضعف الفهم القرائي لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط باعتباره مشكلة امتحانات، بل باعتباره تحديا يمس قدرة الأجيال المقبلة على التعلم والعمل واتخاذ القرار والمشاركة في الحياة العامة.
من مدرسة المعرفة إلى مدرسة المهارات
العالم الذي يدخل إليه تلميذ اليوم لم يعد يشبه العالم الذي أُعدت له المناهج قبل عقود.
لم يعد المطلوب أن يحفظ التلميذ المعلومات فقط، وإنما أن يعرف كيف يبحث عنها، وكيف يتحقق منها، وكيف يوظفها، وكيف يحل مشكلة جديدة لم يواجهها من قبل.
وهنا تكتسب نتيجة 374 نقطة في التفكير الحاسوبي أهميتها.
فإدماج التكنولوجيا في المدرسة لا ينبغي أن ينتهي عند توفير الحاسوب أو الاتصال بالإنترنت.
التحدي الحقيقي هو أن يصبح التلميذ قادرا على التفكير بطريقة منظمة، وتحليل المشكلات، وتقسيمها إلى عناصر، وبناء حلول لها.
أي أن التكنولوجيا ليست بديلا عن المدرسة، وإنما أداة لإعادة تعريف ما ينبغي أن يتعلمه التلميذ داخلها.
الإصلاح لا يقاس بعدد المشاريع
المغرب لم يتوقف خلال السنوات الماضية عن إصلاح منظومته التعليمية.
لكن نتائج PISA تفرض سؤالا أكثر صعوبة من سؤال حجم الإصلاحات أو عدد البرامج التي أطلقت:
ماذا تعلم الطفل فعلا؟
قد تتغير المناهج، وتبنى المؤسسات، وتطلق برامج الدعم، وتتوسع البنية التحتية، لكن المعيار النهائي يبقى بسيطا: هل يستطيع التلميذ القراءة والفهم؟ هل يستطيع حل مسألة؟ هل يستطيع تفسير ظاهرة علمية؟ هل يستطيع التفكير في مشكلة جديدة والبحث عن حل لها؟
إذا كانت الإجابة بالنفي بالنسبة إلى نسبة كبيرة من التلاميذ، فإن الإصلاح لم يصل بعد إلى جوهر العملية التعليمية.
مدرسة واحدة… لكن بفرص غير متساوية
الأرقام تعيد أيضا طرح قضية الفوارق الاجتماعية والمجالية.
فالتلميذ الذي يعيش في ظروف اجتماعية واقتصادية مريحة لا يبدأ بالضرورة السباق من المكان نفسه الذي يبدأ منه تلميذ آخر يعيش في وضع هش.
وهنا يفترض أن تلعب المدرسة دورها كأداة للارتقاء الاجتماعي.
لكن عندما تكشف البيانات أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي يظل مرتبطا بجزء من الفوارق في النتائج، فإن ذلك يعني أن مبدأ تكافؤ الفرص لا يزال يحتاج إلى الكثير من العمل حتى يتحول من شعار إلى واقع.
الأهم الآن ليس أن نحفظ ترتيب المغرب أو أن نقارن نقاطه بدول أخرى. الأهم هو ماذا سيفعل الفاعل السياسي، المقبل على الانتخابات التي ستفرز حكومة جديدة، بهذه النتائج؟ هل ستُستخدم لتصحيح المناهج؟ هل سيُعاد النظر في طرق تدريس القراءة والرياضيات والعلوم؟ هل سيحصل التلاميذ المتعثرون على دعم مبكر ومستمر؟ هل سيتم الاستثمار أكثر في تكوين المدرسين؟ وهل ستصبح معالجة الفوارق الاجتماعية والمجالية جزءا من صميم السياسة التعليمية، وليس مجرد إجراء مواز؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن توضع على مسؤولي الأغلبية الحكومية الجديدة.
لأن PISA لا يمنح المغرب شهادة نجاح أو رسوب.
إنه يقدم مرآة.
والمرآة لا تكون مسؤولة عن الصورة التي تظهر فيها.
التحدي الحقيقي: ألا نترك أحدا خلفنا
في النهاية، يمكن قراءة نتائج PISA 2025 بطريقتين.
يمكن النظر إليها باعتبارها ترتيبا دوليا آخر، نختلف حوله ثم ننتقل إلى خبر آخر.
ويمكن، في المقابل، النظر إليها باعتبارها إنذارا تربويا هادئا لكنه شديد الوضوح.
73.2 في المائة تحت المستوى الأساسي، و0.1 في المائة فقط في أعلى مستويات الأداء.
هذه ليست مجرد نسب.
إنها تعني أن المعركة المقبلة للتعليم المغربي يجب ألا تكون فقط من أجل مدرسة أكثر تجهيزا، بل من أجل مدرسة تجعل التلميذ يتعلم فعلا.
مدرسة لا يكون فيها النجاح امتيازا مرتبطا بمكان الولادة أو دخل الأسرة.
مدرسة تستطيع أن تمنح الطفل الذي بدأ متأخرا فرصة للحاق.

ومدرسة لا تكتفي بأن تفتح بابها أمام الجميع، بل تضمن أن يخرج الجميع منها وهم يمتلكون الحد الأدنى من الأدوات التي تمكنهم من مواصلة التعلم وبناء مستقبلهم.
وهنا بالضبط يكمن التحدي الحقيقي للأغلبية الحكومية التي ستفرزها انتخابات 23 شتنبر 2026.