صمود له طعم الانتصار في نفوس الفلسطينيين وفي نفوسنا جميعا.. نصر يخفف، ولو قليلا، من مرارة الشعور بالهزيمة الذي يلازمنا منذ أمد بعيد وبعيد جدا، والذي جعل العجز يغرس جذوره عميقا في الكائنات التي تعيش على هذه الرقعة الجغرافية الممتدة من الماء إلى الماء.. إحساس ثقيل ومؤلم أصابنا بظمأ أسطوري يجعلنا نتلهف إلى أي شيء – أي إنجاز مهما كان صغيرا- يحرك فينا الفرح ولو إلى حين.. وبما أن حدسا ماكرا يخبرنا أن هذا الفرح لن يدوم طويلا على الأرجح، فإننا نعب منه كما يعب الظمآن إلى الكأس من أي خمرة يصادف في طريقه، ونبالغ في الاستسلام لنشوته.
نعم، إن غزة أبانت عن صمود فاجأ الجميع. فرغم الفارق الشاسع بين عتاد المقاتلين الفلسطينيين وأسلحة الجيش الإسرائيلي البالغة التطور، ورغم كل الدمار الهائل الذي لحق بها، ورغم سقوط أكثر من 2100 شهيد معظمهم مدنيون وحوالي 500 منهم أطفال، فإن غزة قاومت ولم تقبل قط أن تجثو، وهذا في حد ذاته إنجاز له طعم الانتصار، لا شك.
بيد أن المواجهة العسكرية ليست سوى جبهة من الجبهات العديدة للحرب الطويلة مع إسرائيل، وهذا الصمود الذي أبانت عنه غزة على الجبهة العسكرية لا يجب أن يكون تلك الشجرة التي تخفي غابة هزائمنا الكثيرة والمتوالية على الجبهات الأخرى، وبالخصوص على جبهتين حيويتين في تقديري تتطلبان حقا «مقاومة واعية»:
الأولى، هي رفع الكائن، الذي يعيش في هذه المنطقة الممتدة، إلى مرتبة الفرد الكامل في فردانيته.. الفرد الذي يمتلك القدرة على التأثير على مجرى حياته، وليس مجرد عنصر ضئيل لا حول له ولا قوة في القبيل – أو الجماعة أو الحزب أو النظام-، وما عليه سوى الاستسلام لتيارها الجارف، الذي يسير في منطقتنا دوما عكس مجرى التاريخ.
الثانية، وهي مرتبطة ارتباطا عضويا بالأولى، تتمثل في كسب معركة الإنتاج المعرفي ومحاولة التقليص من الهوة المعرفية مع إسرائيل، وهي معركة يجب أن نعترف أنها تفوقت علينا فيها كثيرا ومازالت تواصل تفوقها.
فهذه الدولة الصغيرة مساحة وسكانا، مقارنة بالعالم العربي، تحتل المركز الثالث في تكنولوجيا المعلومات، وتنتج شهرياً أكثر من أربعين بحثاً علميا معترفا به دولياً، كما أنها تحتل المرتبة الرابعة في العالم في نشاط البحث العلمي، وتتقدم عليها فقط، سويسرا والسويد والدانمارك من حيث عدد المقالات العلمية لكل مليون مواطن.
وتحتل إسرائيل الرتبة الأولى عالمياً من حيث نصيب الفرد من الإنفاق على البحث العلمي، حيث تنفق أكثر من 12 ألف دولارا سنوياً للفرد، متساوية في الصرف على البحث العلمي مع اليابان والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا، متقدمة على إسبانيا وتركيا. كما تأتي إسرائيل في المركز الخامس عالمياً من حيث الإنفاق على التعليم بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي بإنفاق يبلغ 8.3% على التعليم من ناتجها المحلي، وإذا علمنا أن الناتج المحلي الإجمالي لها يصل 110 مليارات دولار، فإن نصيب البحث العلمي يصل في بعض الأحيان 5.3 مليارات دولار!
والأكثر من هذا أن تل أبيب فطنت إلى أهمية الحرية الأكاديمية في الإنتاج العلمي والمعرفي. فكلما اتسعت الحريات العامة، وزادت الممارسات الديمقراطية، وقلت التدخلات الرسمية للدولة في قضايا الجامعات، سيقربها من المشاركة في الشأن العام، مما سينتج عنه بالضرورة سعة أفق البحث العلمي، وزيادة مردوده، وأدائه لمهامه ورسالته…
نعم، لقد أبانت غزة عن صمود بطعم الانتصار، ولكن كما يقول محمود درويش، ليس هناك نصر نهائي ولا هزيمة نهائية، فـ»هذان المفهومان يتقنان لعبة التناوب لكي يكمل السيد التاريخ حركته اللانهائية». والأهم، يضيف الشاعر الفلسطيني الراحل هو «ماذا يفعل المنتصر بالنصر؟».. فماذا سيفعل الفلسطينيون، ونحن معهم، بهذا الصمود؟