أخيرا يطلق الفنان عبد الرحيم الصويري حياة العزوبية، بعد قراره عقد قرانه قبل نهاية العام الجاري، في هذا الحوار يفتح قلبه ليتحدث عن الموضوع، بالإضافة إلى حديثه عن موقفه من التطبيع مع إسرائيل وفن الطرب الأندلسي كما يراه في الوقت الراهن وعلاقته بوالده المؤذن ضابط الإيقاع ليهود الصويرة وأشياء أخرى.
{ أنت من الفنانين الحريصين على أداء العمرة، البعض يقول إن هناك تناقض، إذ مباشرة بعد هذه المرحلة يعود الفنانون إلى حياة الصخب والسهر تبعا لأجندات حفلاتهم؟
< حتى أوضح ذلك، أسرد لك أني جالست مرة سيدي حماد الصقلي بفاس، وهو من العلماء المحبوبين لدى الملك الراحل الحسن الثاني ولدى الملك الحالي، وسألته حول رأي الدين في ما نقدمه فكان جوابه: «إن الموسيقى الأندلسية أو الملحون والشعبي الراقي لا يتضمن كلاما مسيئا، ولا يضر بأحد، بل أكثر من ذلك إنه بفضل المنشدين في عدد من الحفلات يقوم الناس بالصلاة والسلام على الرسول «عليه السلام»، كما أن للأمر أجر، لأنه يساهم في إسعاد العروسين وأهل العرس في الحفلات بكلمات راقية.
وأريد القول إن لكل شخص حرفته، وهذه حرفتنا. والواحد منا حين يذهب إلى العمرة ليتعبد يدعو الله أن يعفو عنه بصفة نهائية من كل هذا، لكن ما دام «الرزق باق»، وما دام الفنان محبوبا لدى الجمهور، ومطلوبا لإحياء حفلات الأعراس الراقية فنحن مستمرون.
{ البعض أيضا يقول حبذا لو عمل هؤلاء الفنانون على التبرع للمحتاجين بتلك الأموال بما يصرفونه تباهيا، مثلا للقول إنهم يقومون بالعمرة؟
< أنا من الحريصين على ذلك. وفي هذا الصدد، أتعاون مع عدد من الجمعيات، عبر إحياء حفلات خيرية بدون مقابل، إذ أتبرع بأجري كاملا. وفعلت ذلك مؤخرا بطنجة. وليهدي الله هؤلاء الناس الذين يحفرون خلفنا!
{ تحدثت عن إحيائك للأعراس، هل مداخيلك كلها من حفلات الأعراس؟
< أجل، وبها يمكننا الاستمرار، وجل الفنانين في المغرب مداخيلهم من حفلات الأعراس، وخصوصا الفرق الغنائية، التي لا يمكن لعناصرها الاستمرار لولا ذلك.
{ إذا حرصك بالأساس على إحياء حفلات الأعراس، فماذا عن جانب الإبداع المفروض؟
< لا حديث عن الإبداع في الغناء خلال إقامة الأعراس، الإبداع أساسه هو كاتب الكلمات والملحن الذي يقدم الصوت الجميل.
{ لكن المفروض هو أن تبحث أنت عن هذه الكلمات واللحن بهدف الإبداع؟
< هذا الملحن أو كاتب الكلمات هو نفسه ينتظرنا ليبحث عن «طرف ديال الخبز».
{ طيب. ألم يعد ممكنا الاعتماد على مبيعات الأغاني أو «الألبومات» لتحصيل الربح؟
< لا أبدا، مبيعات الأغاني أو «الألبومات» لا يعتمد عليها للعيش، الفنانون جميعهم، وبدون استثناء، ليس بينهم من يعتمد في عيشه على مبيعاته، بسبب انتشار القرصنة. وحتى في العالم العربي، فإن المداخيل بالأساس تأتي من إحياء الحفلات والسهرات التي يتقاضى عنها أجرا.
{ في الوقت الذي توجد فيه كثير من الدعوات للحفاظ على التراث الأندلسي الأصيل وتراث الآلة، خصوصا مع ضياع «النوبات»، تُتهم بعدم القيام بأي شيء في هذا الصدد، وباختصار الطرب الأندلسي فيما يسمى بـ «الانصرافات»؟
< اسم عبد الرحيم الصويري اقترن بتقديم ذلك، تلك عادتي التي أقدم عبرها مقتطفات من التراث المغربي في جميع الحفلات. ولا يمكنني أن أغني نمطا يضم الصنعة ولا يطلبه سوى 100 شخص من بين 400 شخص يطلبون الانصرافات. كما أن هذه الانصرافات تساعد على تحبيب الجمهور لهذا اللون الموسيقي، قبل أن تقربه من تفاصيله، وتجذبه بعد ذلك.
{ بالنسبة إليك هي وسيلة لجذب الجمهور إلى هذا الفن؟
< أجل، لجذب الجمهور، كما هو الشأن في المهرجانات خارج المغرب، حيث أقدم أيضا هذه المقتطفات للحصول على زبائن. وللقدامى الذين سبقونا واستطاعوا الحفاظ على التراث أرفع قبعتي، لأن الأمر ليس أبدا سهلا.
اليوم نحن في عصر الأغنية الخفيفة، وهذه الأغنية أساءت كثيرا، بل «بهدلت» التراث ككل، وليس فقط للتراث الأندلسي، بل للتراث الغنائي عبر العالم.
{ وهل أنت مضطر، اليوم، لمسايرة نهج الأغنية الخفيفة؟
< إن لم أساير سيكون علي البقاء في بيتي، لأن الشباب اليوم هم من سيحدد ما يقدم!
{ شكل كل من الحاج عبد الكريم الرايس بفاس، ومولاي أحمد الوكيلي بالرباط، ومحمد العربي التمتماني بتطوان، سابقا، ثلاث مدارس أندلسية، كيف تميز بينها لتقربها من عموم الجمهور؟
< بالنسبة إلى مولاي أحمد الوكيلي، أعتبره شبيها بـ «هتلر»، إذ كان صارما وجديا بشكل كبير، يتميز بالرزانة في العزف والغناء. أما التمتماني فقد كان أكاديميا؛ موسيقاه ذات مستوى عال، ومقطعة ومزخرفة، فيما يتميز عبد الكريم الرايس بتلقائيته، وما يتوفر عليه هي موهبة ربانية طبعته بتلك الحلاوة، ومنحته شعبية ومحبة كبرى من طرف الناس، بالإضافة إلى تواضعه.
{ هؤلاء كانوا بمثابة علماء في طرب الآلة، اليوم، نفتقد لفنانين من حجمهم، من شأنهم سن مذاهب داخل طرب الآلة؟
< اليوم، نحمد الله على وجود جمعيات تهتم بطرب الآلة ! وأذكر -في هذا الصدد- جمعية هواة الموسيقى الأندلسية بالدار البيضاء التي أصفق لها بحرارة، لأنها استطاعت أن ترتقي بطرب الآلة على الصعيد العالمي، فصرنا اليوم نرى مشاركات عديدة في المهرجانات، ومنها مهرجان الجزائر.
كما أنه لدينا مدارس مختلفة تحرص على تدريس طرب الآلة أيضا.
{ على ذكر تدريس الطرب الأندلسي، كان يتعلم، بالإضافة إلى ذلك، داخل الزوايا، كما هو الشأن بالنسبة إلى عبد الصادق شقارة الذي تعلم في الزاوية الحراقية. هل هذه الطقوس مازالت مستمرة؟
< ما تزال طقوس تدريس فن الطرب الأندلسي مستمرة، وأحرص على الذهاب إليها، مازالت الزاوية الحراقية مستمرة، كما أن مسجد «الحاجب» بالحبوس في الدار البيضاء مازال مستمرا هناك.
{ هل تزورها، وهل تحرص على تعليم المهتمين هناك؟
< أذهب إليها –أولا- قصد التعلم، وأذهب تحديدا إلى مسجد «الحاجب» بالحبوس، لألفت أيضا انتباه الحاضرين هناك، حتى يتشوقوا للعودة مرة أخرى، كل يوم جمعة، ابتداء من العاشرة صباحا، والمعلم هناك هو أخي الأكبر عبد المجيد الصويري، وهو أستاذ جامعي، وله دِراية أكبر مني في الأمداح وفن الموسيقى الأندلسية، لأنه جالس وتعلم على أيدي كبار وفطاحلة هذا الفن القدامى، ومنهم الحاج عبد الكريم والحاج ماسانو، وغيرهما.
{ بعيدا عن هذا، والدك كان مؤذنا وفي الوقت نفسه كان يحيي سهرات مع يهود الصويرة، كيف تأتى له ذلك المزج، وكيف كنتم تتعايشون آنذاك؟
< والدي، بالإضافة إلى كونه كان مؤذنا، كان ضابط إيقاع مع الجالية اليهودية التي كانت تعيش بالصويرة. ولا أذكر التفاصيل، لأن والدي توفي وأنا طفل في الثامنة، لكن ما أذكره بشكل كبير أن بيتنا كانت تصله جميع أنواع المأكولات من اليهود، أصدقاء والدي، وكانت تروي لنا ذلك والدتي أيضا.
{ كيف جاء انضمام والدك للجالية اليهودية والغناء والعزف إلى جانبهم؟
< والدي كان مؤذنا، وصومعة المسجد كانت تقع بالقرب من «الملاح»، حيث يقيم اليهود الذين كانوا يستيقظون فجرا لسماع «تهليلاته». فلما سمعوا صوت والدي طلبوا منه أن يشارك معهم، وذلك ما حصل؛ بمعنى أن والدي انضم إليهم تلبية لرغبة «الباشا بلمعلم»، الذي نزل عند طلب اليهود. ويوم وفاة والدي، رافقه جميع يهود الصويرة إلى المقبرة، لأنه كان محبوبا لديهم كما لدى كل الشخصيات المهمة في الصويرة وغيرهم آنذاك..، حيث كان هناك تعايش وتآلف كبير بينهم بصرف النظر عن دياناتهم، حسب ما تحكيه لنا والدتي.
{ وهل حضرت مسبقا لمثل تلك الحفلات؟
< لا، لكني حضرت له أثناء إقامة المواسم التي تشرف عليها الزوايا خلال إقامة حفلات المديح، وكان ذلك خفية، لأنه لم يكن يسمح لي بالمشاركة في ذلك، إذ كان صارما جدا.
{ لو سألتك عن شيء وسم ذاكرتك منذ مرحلة الطفولة أو الشباب؟
< أجمل ما وقع لي ولا أنساه أبدا، كان ما بين سنتي 1987 و1988، لم نكن نتوفر حينها على هاتف في البيت، وبعد مرور ليلة على بث مقطع لي على التلفزيون، بعث الحسن الثاني شخصا أخذني من منزلي بحي «بوركون»، إلى قصره بالرباط لأغني أمامه، لأول مرة، بمناسبة الاحتفال بـ «شعبانة». ومنذ ذلك الحين وأنا أحيي سهرات أمامه في مناسبات مختلفة، والخير «يتدفق» علي ولله الحمد!
{ وفي عهد الملك محمد السادس، متى كانت آخر سهرة خاصة أحييتها؟
< أغني أمام الملك مرتين في السنة، حيث نحيي ليالي دينية، أما عن الحفلات الخاصة فمنذ مدة لم نقدم شيئا، لأن الملك منشغل بأشياء أخرى تخص أمور البلاد.
{ وإن سألتك عن الفنان باجدوب، ماذا تقول لنا، وما هو رأيك؟
< هو فنان كبير أعطى الكثير للموسيقى الأندلسية، ولم ينل حقه، بحيث يجب رد الاعتبار إليه.
{ أنت والفنان باجدوب شكلتما قطبين ضمن فن الموسيقى الأندلسية، هل من خَلَف لكما اليوم؟
< نعم هناك خلف، فقط يحتاجون إلى مزيد من الاجتهاد و «الراس الصغير». لدينا فنانون منشدون جيدون، منهم عبد الفتاح بنيس وسعيد الشرايبي ونور الدين الطاهري، ومروان حجي، الذي أعتبره منشدا وظاهرة في المغرب، وهو من الأصوات الجميلة والكبيرة، وأرى فيه خَلَفا لكل من باجدوب وعبد الرحيم الصويري.
{ بعيدا عن الفن، ذكرت مصادر إعلامية مؤخرا بأنك تميل إلى التطبيع مع إسرائيل، هل تصرح بهذا اليوم؟
< أنا لست مع التطبيع، لكني مع الصلح بين الدولة العبرية والدولة الفلسطينية.
{ هل أنت ضد التطبيع؟
< أنا مع الصلح، وهو ما أتحدث عنه، وأعتقد أن الأمور سُويت الآن ما بين إسرائيل وغزة الفلسطينية.
{ وأخيرا ستغادر حياة العزوبية، أخبرنا عن التفاصيل؟
< سأتزوج قبل حلول العام المقبل، وسأقيم حفل زفافي ما بين شهري أكتوبر ودجنبر القادمين إن شاء الله!
{ لماذا هذا التأخر، قبل خطوة الزواج؟
< هو تأخر لا يخصني وحدي، وشأني في ذلك شأن جل الفنانين عبر العالم، وهو ناتج عن الانشغالات الفنية.
{ ألم تكن العزوبية اختيارا بالنسبة إليك؟
< لا أبدا؛ الأمر يتعلق بالقدر، والخير فيما اختاره الله، وكما يقال: «فإذا جاء الإبان تجي»، بمعنى أن المقدر والمكتوب سيأتي في حينه.
{ ألم يتعلق الأمر بشروط معينة كان يبحث عنها الفنان الصويري؟
< المرأة «تيسير الله»، والزواج بالنسبة إلي قسمة ونصيب، ويمثل حياة مشتركة مستقرة فيها ذرية طيبة و «الوليدات المرضيين..».
{ هذه العناصر، هل وجدتها في المرأة التي اخترتها؟ وما المواصفات التي بحثت عنها فيها؟
< بالنسبة إلي، أن تكون امرأة محترمة ومثقفة، وربة بيت بما تحمل الكلمة من معنى، وألا تكون هناك غيرة بيننا، والمرأة في اعتقادي إما أن ترفعك إلى أعلى أو تسقطك أرضا.
{ هل هي من الوسط الفني؟
< لا، سيصعب علي الأمر. صعب لو اخترتها من الوسط الفني، فلا يمكنني أن أرتبط بامرأة لها نفس التزاماتي، بخصوص السهر والسفر وما شابه ذلك..، وأفضل أن تكون لها اهتمامات أخرى، إما أنها تشتغل بالتجارة أو موظفة، ولا يعني ذلك أني أطمع فيما تملكه، لأني غني عن ذلك، وأستطيع تحمل مسؤوليتها و «الخير موجود».