الجحيم "بين أحضان القدر"

08 سبتمبر 2014 - 23:56

لم يكتب لها القدر أن تعيش سعادتها إلا بين أحضان مجتمع منافق كاذب مخادع لا يعرف الرحمة ولا الشفقة،خرجت للعمل في ريعان شبابها في عنفوان أنوثتها في الوقت الذي يحتاج فيه الشخص لضمة صدر حنون وظل يرافقه ويرشده إلى الطريق الصحيح إلى طريق معبد يخرجه من ظلمات الليل الحالك إلى نور الشمس الساطع حيث يرقد الأشخاص هناك بسلام وأمان،هناك لا داعي للخوف من مجهول وأخذ احتياطاتك من الآخر، هناك الحياة بأمان حياة أسطورة المدينة الفاضلة والأشخاص المحترمين حيث لا مكان للوحوش والذئاب الماكرة التي تلتهم كل من صادف طريقها، لكن تجري المياه بما لا تشتهي السفن فقصة سلوى أصبحت أنشودة يرددها الجميع وعبرة مؤثرة تبكي كل من سمعها فتبقى حبيسة دموعه ووجدانه ،سلوى تلك الفتاة الخجولة التي تحمر وجنتيها خجلا عندما تتكلم مع أحدهم؟ نعم إنها هي فالقدر لا يرحم أحدا .

في كل ليلة من الليالي الكئيبة تفكر في الهروب من جهنم الحياة التي تعيشها من قبضت الأب القاسي الذي لا يصحا من شرب الخمر والاستئناس بالخليلات أمامها بدون حياء ولا احترام لمشاعر ابنته وأم تعمل ليلا كمتجولة بين الحانات تصطاد عشاق البغاء من أجل كسب لقمة عيش تكسيها وتكسي بنتها الوحيدة التي ملت من هذه العيشة وقنطت منها ومن نعتها ببنت السكير والعاهرة،لكنها أبت أن تحذو حذو أسرتها فاتخذت لنفسها طريقا مغايرا مختلفا لتقرر الرحيل من مدينة خنيفرة إلى وجهة مجهولة كانت لاحقا طنجة حيث استقرت هناك .

كان أول يوم لوصولها لطنجة الجمعة وبعد ساعات من الركوب في إحدى القاطرات التي تسللت إليها خلسة وصلت إلى محطة القطار (طنجة) في جنح الظلام الحالك مشت ونبضات قلبها تدق لا تعرف إلى أين الوجهة ،أقدام تعبر الطريق ووجوه شريرة تبتسم لها تريد نهش لحمها البريئة ،فلليل طنجة أسرار وخبايا وعالم مختلف عن عالمنا نحن النهاريين .

جلست في إحدى الكراسي والظنون تلاحقها وشبح الخوف يحيط بها من كل جانب إلى أين المفر في عالم جديد مغترب و سكون ليل هادئ لا حياة فيه،أين المبيت ؟وأين الملجأ؟،بدأت ذاكرتها في تلك الفترة تسترجع الماضي اللعين الذي تركته ورائها والدموع تنهمر من جفنيها كالشلال،تنحت جانبا ووضعت تحت خديها حذائها ثم نامت بهدوء.

حياة الصباحيين قد ولت والشوارع امتلأت بضجيج السيارات وأصوات البشر لقد انصرف الهدوء إلى حال سبيله وعوضه شبح الحياة المليئة بالذئاب المتنكرة في جلباب الإنسانية فسلوى تريد أن تبدأ حياتها من الصفر وتبني اللبنات الأولى بنفسها لكن عوي الكلاب المسعورة التي تريد دائما إغراء الفتاة ونهش لحمها الطاهرة تتربص بها لقد شموا رائحة غربتها ولن يدعوها على حالها .

سلوى فتاة حاصلة على شهادة الماستر بميزة تفوق رغم كل المشاكل التي عاشتها لكنها متميزة في دراستها قاهرة لظروفها تسعى نحو تسلق جبال التميز وامتطاء علوها لهذا قررت التوجه إلى مصانع منطقة “المغوغة” لعلها تحظى بوظيفة محترمة تنسيها أوجاعها ومرارة حياتها البائسة،فالبحث كان شاقا لكن نتيجته كانت مثمرة ،وأخيرا تحصل على وظيفة تعوضها عن معاناتها مبلغ جيد وسيارة وبيت صغير اكترته بالقرب من الشركة التي تعمل بها ، سلوى الآن ستنعم بالهدوء والسكينة وحياة إنسانية ليست كسابقتها،لكن هل ستستقر على هذا الحال هل ستنعم بالجنة بعد هروبها من الجحيم ؟

بعد مرور سنتين من الاستقرار تعرفت على شخص يدعى “توفيق”،كان هذا الشاب إطارا كبيرا في الشركة التي تعمل بها سلوى لكن سلوكه كان منحرفا وأعماله مشبوهة،دائما كانت تحاول تجنب الحديث معه وتجاهله ،عرض عليها الزواج فرفضت حاول إغرائها بشتى الطرق لكنها كانت تأبى الاستجابة للعرض حاول تهديدها بالطرد من الشركة لكنها غير مكترثة،لقد وصل السيل الزبا وانفجرت الضغينة والحقد من قلب هذا المريض النفسي فبات همه الوحيد هو الانتقام ومهما كان الثمن، ولنجاح خطته عليه الاستعانة بشخص من مطبخ الشركة ، في كل يوم يدس سموم “الهروين” اللعينة في كأس عصيرها الذي تشربه كل صباح أثناء وجبة الفطور الجماعي التي تعدها الشركة ،ويوما بعد يوم أصبح إدمان كؤوس العصير الصباحية أمرا مشبوها لدى عمال الشركة فقد تمكن الإدمان أخيرا من جلبها إلى دوامة الموت وشبح المعاناة إنها عادت إلى جهنم إلى الموت ببطيء.

انقطع العصير من الشركة ومنع بسبب هستيريا سلوى التي في الحقيقة لم تدمن العصير بل أدمنت المادة التي كانت توضع فيه ،أما توفيق الشيطان الإنسي فقد حقق أغراضه ووصل إلى هدفه ودمر أحلام وردة مشرقة كاد عبيقها وروحها الطاهرة تنتصر .

أصبحت سلوى بدون مأوى تتجول في دروب حي المصلى بجلباب مقطع تحادث نفسها وتحاول جمع الدراهم هنا وهناك لتشتري سم الهروين الذي أصبح بمثابة وجبة يومية لا استغناء عنها،وسارت على درب أمها تعيش بالدعارة لتوفر ثمن سم قتلها في نهاية المطاف .

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي