شرطي المرور!!

09 سبتمبر 2014 - 20:06

فجأة وبدون مقدمات خَرجَ الطفل عن انطوائه، انفرجت أساريره، فاندمج في اللعب والممازحة، وقد أثار ذلك انتباه زملاءه التلاميذ والمعلمين، وأثناء فترة الاستراحة تداولوا في الموضوع. أجمع المعلمون على أنهم استمعوا غَيْرَ ما مَرَّةٍ لشكوى والدي الطفل اللذين قَالاَ: «لم يكن كذلك، لقد صار عُدْوَانِياً، يَخْلو إلى نفسه ولا يتناول غذاءه، وتراجعت نتائجه إلى الأسوإ خلال السنوات الماضية. وكلما سألناه: نظر إلى والده وَلزِمَ الصمت! وحار في شفائه الأطباء».

يَا للعَجَب، حالة نفسية معقدة تشفى على حين غرة! لابد أن في الأمر سِرُّ مَكْنُونُ؟ هكذا تساءل المعلمون فيما بينهم؟ وانتقلت عدوى الفضول إلى مدير المدرسة، هو بدوره استقبل والد الطفل، واستمع إلى حكايته الغريبة.

 طرأ ما طرأ عندما اتخذت الإدارة قراراً بنَقْلِي من مقر عملي بالمدينة التي ازداد فيها الطفل إلى بلدة أخرى، قبل ذلك كان في أحسن حال، أرافقه إلى المدرسة أو أنيب عنّي السائق في معظم الأحيان، وكم كانت فرحته تَكْبُر عندما يقدم لي شرطي المرور التحية، يستهويه الصوت المنبعث باحتكاك الحذاء، ويفاخر بذلك زملاءه وأطفال الحي، فلّما اضطرب حَالُ الطفل وَحَارَ في علاجه الأطباء والسَّحَرَة، فكرت أن يكون لهذا المرض علاقة بشرطي المرور. ومنذ أن تَمَلَّكَنِي هذا الإحساس وأنا أطْرُق باب الرؤساء والمعارف كي يرجعوا الحالة إلى ما كانت عليه، مرضاة لطفلي فقط! فَلَرَّبما غادرت البلد بَعْدَ ذلك إلى إحدى دول الخليج للعمل فَيُشْفَى ابني مادام لا يوجد هناك شرطي مُرورٍ مغربي!

صَدِّقِنْي سيدي المدير: إنَّ زوجتي بدورها اقتنعت بِمَا أقول، فهي ـ بعد أن انتقلنا إلى العمل الجديد ـ لاحظت أن الطفل يختبئ وراء الكراسي كي لا يُصَابَ بِخَيبة أَمَلٍ مَتى لمْ يُفَرْقِعْ شُرِطِي المُرورِ حِذَاءه!

تذكر المدير حكاية الوالد، وتشكك بَعْضَ الشَّيء فِي سَلامَة قدراته العقلية، ثم قارن الرواية بحال الطفل هذا الصباح، وأومأ لمعلمته أن تُفاتحه في الموضوع.

قالت المعلمة للطفل:

ـ تبدو نشيطا يا بهاء اليوم؟ هل ازداد لك أخ أو أخت جديدة؟

ـ لا «طَاتِي»، لم يعد شرطي المرور غاضبا مِنْ بَابَا خِلالَ هَذَا الأُسْبوع، كُلَّما مرت أمامه سيارة العمل إلاّ وحَيَّانا بِفرِقَعَة الحِذَاء، أنا سعيد جداً!!

إذن صدقت نبوءة الأب، لم يذهب سعيه سدى، أضاع ماله بين يدي الأطباء والدجالين، والحالُ أنَّ الشفاء لدى رؤساء الإدارة. لا مقابل لهذا الجميل الذي قدمه هؤلاء للطفل الصغير ووالده، وقد كانوا كرماء جدا، هو توسَّل ومعه معارفه كي يعود إلى سابق حاله ولو ليومٍ وَاحِد، وقد تفهموا الوضع وتصدقوا عليه بوضع أرقى ولمدة غير محدودة، الله يجزي عمل المحسنين!!

لم يدم تفكير المعلمة طويلا، قاطعه رنين الجرس، انْفَلتَ الطِّفل من بين يديها، كانت السيارة الزرقاء الطويلة بعلامتها الحمراء واقفة بباب المدرسة، رَمَقَتْ والد الطفل يَتَرَجَّلُ مِنْها بوجه بشوش، عانق ولده بشدة، بِدَوْرِهِم الأطفال أحاطوا بالسيارة، جروا وراءها على أقدامهم. عند المدارة، ضغط الوالد على المُنَبِه ليُلْفِتَ انتباه شرطي المرور الذي كان يتحدث عَبْرَ هَاتِف العَمَل، انتبه الشرطي، ثم فَرْقَعَ حِذَاءه المَطَّاطِي تَحِيَّة مُدَوَّيةً، هَلَّل الطِفل من داخل السَّيارَةِ وهلل مَعه الأطفال خلفهَا، ثم اختفت وسط الزَّحَام !!

رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين 

[email protected]   

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي