في زمن يتنكر للحب

16/09/2014 - 17:11
في زمن يتنكر للحب

تغريني عادة الإقامة في جغرافيا الشعر الغزلي العذري «العفيف» «الطاهر»، كلما تعبت من جغرافيات سياسية واقتصادية تقضم حميميتنا وعزلتنا وذبذبات أنفاسنا، وأصيخ السمع لنقرات مطر شعري عذب يتغنى بحب قصي، ويهيم في صحراء شطحات وجنون بوهيمي، أنصت لوشوشات عشق خبيئة لا نطولها إلا بالمجاهدة والمكابدة، شعر يغسل أرواحنا من أدران اليومي، أشبه بصلاة وثنية مجنونة.

 تغريني تلك الألوهية الأنثوية، وسهام الألم واللوعة والصبابة التي تنحت لذة الفرح في جسد العاشق، مثلما تحترق الأقداح  لتسكر الأبدان.  يغريني ذاك الخلود الجلجامشي العاشق الذي لم ينطفئ عبر الأزمان، وذاك الصعب لبلوغ المنى، والسفر في زمن مجهول لا نهائي مستحيل، زمن عصي على القبض كتلك القصيدة المتمنعة.

يغريني ذاك العشق «المؤمثل»، والسفر الروحي الذي لا يكتمل، وذاك التوق الجمالي لكشف المحجوب، وتلك القدرة المذهلة للإفلات من شيخوخة الزمن.

يغريني ذاك الترحال الصحراوي المضمخ بعطر الغزل،  وعطش لا يرتوي، عطش للحب، للجمال، للعشق، للحياة…

وتؤلمني سطوة  كائنات اجتماعية سياسية وذاكرة فحولية انتشت طويلا بتأليه ذاتها وتضخيم نرجسيتها،  جافت هذا الشعر العذري لرقته وهلهلته ورهافته وغنائيته، لينتحب في عزلته وحيدا يندب حظه العاثر، ويلاقي نفس معاناة مريديه من  قيس بن الملوح وجميل بثينة..، بحجة ضعفه ووهنه الجمالي والبلاغي.

  يؤلمني صمت ليلى ولبنى وبثينة..، وغيرهن من النساء المعشوقات آنذاك عن البوح بعشقهن «العفيف»، «الطاهر»، وصراخ الخنساء في الرثاء وشق الجيوب، وإن كنت أستغرب «عذرية» شعر في وصف القوام الممشوق والأرداف الضامرة للمحبوبة، لنتساءل هل لنا أن نتحدث عن «عذرية» الشعر العذري؟

وفي زمن كهذا يتنكر للحب بل يهجره، لا بأس إن لذنا بالشعر العذري كتميمة لنا من موتنا الرمزي، كي نكثف من نعومة هذا العالم اليباب، في عالم يصطرع بالحروب والصراعات والموت المجاني والمضاربات..، لتتدفق مياه العشق من جديد في حياة يبست عروقها وملت الرتابة والتكرار، قد يرمون هذا الشعر بسهام التشكيك، قد يتهمونه بالانتحال، قد يتجاهله الأصمعي حين هم تقعيد اللغة العربية، لكنه ذائقة جمالية وفنية مرهفة، في ضيافتها، نشرع كل الأبواب للهوى ونوصدها في وجه كل جبابرة الموت والظلام.

شارك المقال