مــاذا أقــول!!

23/09/2014 - 21:47
مــاذا أقــول!!

تحضرني هذه الكلمة عندما أسمع المطربة نجاة الصغيرة تشدو بكلمات الشاعر نزار القباني:

مَاذَا أقْولُ له لو جَــــاء يَسْألني

إِنْ كُنْت أكرهه أو كُنت أهْوَاه

فَكَمْ كَسَرْنَا كؤوس الحُبِّ مِنْ زَمَنٍ

فَكَيْفَ نَبْكِي على كأس كَسْرنَاه

ثم أقارن كلاماً جميلا بواقع أسري مُتهَرئ يتراشق فيه الأزواج بسيوف الحقد والكراهية والبغضاء، وعلى مرأى ومسمع من الأبناء، وأمام مجلس القضاء ينشر غسيل الأسر: خيانة وجنس وسحر وشعوذة، فيستأسد الطلاق بحماية وتزكية من قانون الأسرة.

 يتزامن هذا الانهيار الفظيع مع المقدمات الطَّلَليَّة التي رافقت مدونة الأسرة منذ استهلالها صَارِخَة بالمزامير والطبول مُشَيدَةً مُنَوِّهةً بأسرة متماسكة بِخُيوط العنكبوت!

****

وتحضرني هذه الكلمة أيضا عندما أسمع الشاعر الحُطَيْئَة المُعْتَقَل يستجدي الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مستعطفا:

ماذا أقول لأفْراخٍ بذي مرَخٍ

زُغْبُ الحَواصِلِ لإمَاءُ ولا شَجَرٌ

أَلقَيْتَ كَاسِبَهُم فِي قَعْرِ مَظُلمَةٍ

فاغْفِرْ عَليْكَ سَلاَمُ الله يَا عُمَرُ

ثم أرى سيارات المرفق العام تنقل المتشردين والمتسولين إلى مؤسسات الرعاية الاجتماعية ليعودوا ثانية لتأثيث فضاء الساحات العمومية، في الوقت ذاته الذي ترتفع فيه عقيرة المبشرين بسياسة اجتماعية رائدة في مجال التكافل والتنمية البشرية، بينما يظل الباب مُوَارِباً في انتظار الجانح العائد بعد فُسْحَةٍ عَفْو لم تدم إلاّ سويعات!

****

وتحضرني هذه الكلمة أيضا في أبهى صورها على لسان الزعيم عادل إمام المحامي، وهو يردد أمام هيئة المحكمة: «..ماذا أقول؟ وأي قول قيل من قبل. كَمَا قَال الشَّاعِر: رُبَّ قَوْل قِيل فِي قول خَيْرٌ مِنْ قَول يُقَالْ أوْ لاَ يُقَال ثم دعوني أقول: هل كل قَوْلٍ يُعْتَبَر قَولاً، فهناك قول وهناك قول آخر..». يطاردني المشهد ذاته في جل منابر الخطابة المرئية والمسموعة والمكتوبة، وأرى نماذج عادل إمام يحملون حقائب تحمل كل الأشياء الخاصة، ماعدا ملف القضية. يحاورون ويناورون ويضربون بالأيدي على الطاولة في إخراج مسرحي بديع!

ومثلما انتهت قضية عادل إمام بإعدام موكله سَتَنْتَهِي قضايا أشباهه إلى المآل ذاته، ويتهادى صوت الشاعر خلف الستارة:

هَلْ غَادَر الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدِّمٍ

أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الدَّار بَعد تَوَهُّم

****

وتحضرني الكلمة أيضا وأيضا عندما يجيب أشعب الطماع من حيَّاه أثناء تَنَاوُلِهِ الغداء، واعتقد أنه بِقَوْلِهِ له: «تَفَضَّلْ» قَدْ دَعاه إلى الأَكْلِ: اسْمَعْ يا هذا أنا فقط رددت التحية بأحسن منها، كَلامْ فِي كَلاَم، أما أن تشاركني وَلِيمتي فَذاك مَضْيَعَةُ مَالٍ لا أقبلها!

تحضرني كلمة «ماذا أقول» في أكثر من مناسبة، وأسمعها تتردد صراحة أو ضمنا في معظم نواحي الحياة، هي أحيانا أحلام يقظة وأحيانا أخرى ضَحِك على الذقون، وفي معظم الأحيان نَقْدٌ يَدَوِيٌّ بِلا فعالية يختلط فيه الحَابِلُ بالنابل، فكأننا نعيش زَمَنَ أبي العلاء المعري، إذ يقول:

    فِي اللاَّذِقِيَّة فِتْنَةٌ          مَا بِيْنَ أحْمَــدَ وَالمَسِيـح

   هَذَا بِنَاقُوسٍ يَدُق           وذا بصَومَعَةٍ يَصيــح

كُلُّ يُعَظِّم دِينَــــهُ           يَالَيْتَ شِعْرِي ما الصَّحِيحْ

عندما تقرأ مقالي هذا قد تسألني بدورك:

ماذا أقول!

 رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين

Fmjc.maroc@gmail.com

شارك المقال