بنعبدلاوي: علمتنا تجاربنا مع «أصحاب الوقت» أن كل الطرق تؤدي إلى الفرنسة

24 سبتمبر 2014 - 22:57

يقف الأستاذ مختار بنعبدلاوي عند مصطلح «المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية» . ويتسائل لماذا تركت كلمة اللغات دون تحديد في الوقت الذي حددت فيه كلمة الثقافة، ليستنتج أن الباب ترك مواربا لكي تلج الفرنسية، فتجاربنا مع «أصحاب الوقت»، يقول بنعبدلاوي، علمتنا أن كل الطرق تؤدي إلى الفرنسية.

‭{‬  في نظرك، ما هو الأساس الفلسفي والقانوني الذي ينبغي أن يقوم عليه المرسوم المنظم للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية؟

< الأساس القانوني واضح؛ فإما أن يكون للحكومة مشروعها أو أن يتقدم البرلمان بمقترحاته. وفي الحالتين، فإن إشراك المجتمع واجب، لاسيما مكوناته الأكاديمية، والمدنية، وهيئاته اللغوية والثقافية. إن إشراك المجتمع واجب، ليس فقط لأن دستور 2011 ينص على الديمقراطية التشاركية، ولكن لأن شرط نجاح أية مبادرة هو أن تقوم على أسس توافقية، وأن تعكس إرادة غالبية مجتمعية.

فيما يخص الأساس الفلسفي، أظن أنك تقصد به المرجعية التي يجب أن يستند إليها المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية. إن الخلفية المنطقية واضحة، وهي تعزيز موقع اللغات والثقافة الوطنية داخليا، وتوسيع دائرة إشعاعها وتفاعلها مع الثقافات الأخرى خارجيا، بناء على معايير واضحة. بهذا الصدد، فإن أول سؤال يتبادر إلى ذهني هو: لماذا ترك محرر النص الدستوري مصطلح اللغات غفلا وحدد مفهوم الثقافة بـ«المغربية»؟ أليست مسؤوليتنا هي أولا تجاه اللغات الوطنية؟ أليست هذه اللغات هي أداتنا لتوسيع آفاق الثقافة والارتقاء بها؟ وأخيرا أليست الثقافة- عندما نربطها بالمعرفة- هي المستوى الأرقى الذي تذوب فيه الفوارق بين البشر؟ من هنا؛ ألم يكن الأصح أن نصطلح على هذا المجلس المستجد بالمجلس الوطني للثقافة المغربية؟

إن تسبيق مصطلح «اللغات»، وتركه غفلا من أي تحديد (لكي يتسع لكل ما يراد له أن يتسع له)، وحصر تعريف «المغربية» في الثقافة، يُنبئ عن الكثير من النوايا الثاوية وراء النص. لقد علمتنا تجاربنا مع «أصحاب الوقت» أن كل الطرق تؤدي إلى الفرنسة: فالمصطلح المموه في الميثاق: «اللغة الأجنبية» أو البدعة المستجدة في عهد الوزير الحالي «الباكلوريا الدولية»، إنما تعني شيئا واحدا هو الفرنسة، ثم المزيد من الفرنسة، بالطرق المباشرة أحيانا، والملتوية إذا اقتضى الحال.

اللغة الفرنسية لم تعد اليوم قرارا سياسيا يُفرض من أعلى، كما كان الحال في الستينيات… لقد أصبحت شرطا مفتعلا، وقسريا في الوقت نفسه، من الداخل، للنجاح الاقتصادي أو الارتقاء الاجتماعي، في القطاعين الخاص والعام. كما أصبحت جزءا من شبكة المصالح العضوية للطبقتين العليا والمتوسطة، كنتيجة للتخريب المنهجي للتعليم العمومي، واضطرار شرائح واسعة من المجتمع إلى طلب اللجوء إلى التعليم الخاص، وتقديم «أتاوة» الفرنسة، في سبيل فتح آفاق المستقبل، حيث يفقد التلميذ المغربي علاقته كلية بثقافته الوطنية العربية-الأمازيغية، تاريخا ومجتمعا، وقيما اجتماعية وفنية وجمالية.

‭{‬  شهد المجال الثقافي صراعا سياسيا خلال السنوات القليلة الماضية. كيف يمكن استبعاد ما هو سياسي عن مجال محكوم بالموضوعية ورسم المسافة؟ أو على الأقل، كيف يمكن التمييز بين ما هو سياسي عما هو ثقافي في تنظيم المجلس؟

< المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية هو مجلس سياسي (council political) بامتياز، كما أنه مجلس ينتظر منه أن يرسم سياسات (To draw policies) لإنعاش اللغات الوطنية، وتوسيع دائرة إشعاع الثقافة الوطنية. إن القرارات التي يجب أن تؤخذ بمقتضى ذلك هي قرارات سياسية وسياساتية. السؤال المركزي هنا هو: ما هي المعايير التي يفترض أن تنبني عليها هذه السياسة؟ هل هي تعزيز الوحدة والاندماج الوطنيين، والترويج للثقافة المغربية، وتمكينها من أفضل الوسائل والأدوات، أو الاستمرار في منطق التفكيك، والتعاطي مع الأشياء بمنطق الأصالة والمعاصرة، (بالمعنى الثقافي) أي أن مكان الأصالة هو المتاحف، وأن المعاصرة هي «المسخ» (بالمعنى الدلالي العربي) والتنكر للذات؟ ثم بعد ذلك؛ ما هي السياسيات التي يمكنها أن تفعّل هذه الإرادة (أنظمة التربية والتعليم، أنظمة الاتصال والإعلام، برامج تحفيز الناشئة على الكتابة والإبداع، وظيفة وأدوار اللغات في الحياة العامة والإدارة والمؤسسات الاقتصادية، اللغات الأجنبية بين الأحادية والتعدد…).

لا أخفي أني متشائم جدا في هذا الصدد. ولا أتوقع أن يسير هذا المجلس باتجاه الاختيارات التي تتبناها أغلبية ساحقة من المغاربة. لقد علمتنا التجارب الماضية أنه عندما تسمع في المغرب أن هناك رغبة في إصلاح التعليم، فعلينا أن نعلم أن الهدف هو مزيد من الفرنسة، وعندما يطرح الإصلاح في الإعلام، فمن أجل المزيد من التمييع والإسفاف اللغويين والفرنسة. وحتى عندما يجري الحديث عن إصلاح القضاء، فالهدف لا يختلف، لأن القضاء هو الجزيرة الوحيدة التي بقي فيها حضور مشرف ومحترم للغة الوطنية.

‭{‬ حقل المجلس هو حقل هوياتي بامتياز أيضا، إذ يتميز، لحد الآن على الأقل، بالتدافع بين قوى المحافظة وقوى الحداثة. هل تعتقد أن بنية المجلس ستدفع نحو تعزيز هذا التدافع؟ أم ترى، من خلال ما هو مطروح من نقاش، أنه سيزيد من حدة الصراع الإيديولوجي داخل هذا الحقل؟

< لن يكون لهذا المجلس أي أثر على المستوى الثقافي. إذ سيكون أعضاؤه معينين كسابقيه، وسوف يجري توجيهه عبر عملية انتقاء هؤلاء الأعضاء من جهة، وعبر سياسة التعليمات إذا اقتضى الحال. كما أنه سيكون مكملا لسياسة إغراق الثقافة في المهرجانات، وإغراق المهرجانات في الضحالة. وعلى الأرجح سيكون أداة لتوفير تغطية للسياسات التي مافتئنا نراها منذ سنوات في الإعلام والتعليم، ومراكز الشباب. إن ما تقوم به وسائل الإعلام في المغرب لا علاقة له لا بالحفاظ على الهوية، ولا حتى بنوع من التطوير القائم على اعتبارات تتعلق بالمحافظة أو الحداثة. إن هناك عملية اصطناع «مزاج عام» يقوم على الوثوقية، والسطحية، والاهتمام بالمظاهر، وثقافة الاستهلاك على حساب ثقافة النقد، وروح المبادرة، وبناء المشترك الذي يكرس عناصر الاندماج، والتقاطعات الأفقية داخل المجتمع.

‭{‬ ما هي الشروط التي ينبغي أن تتوفر في قيادة المجلس؟ ومن هي، في نظرك، الشخصية الأقدر على إدارته؟

< ينبغي أن تكون هناك شخصيات سياسية أولا، لأن الاختيار هو اختيار سياسي بالأساس، لكن هذه الشخصيات لا يجب أن تكون من تلك الفئة من السياسيين الذين يوصفون بالباحثين عن المواقع (carreerists)، أقصد بهم تلك الفئة ذات التكوين البيروقراطي، التي تريد أن تنخرط في مسار سياسي لاعتبارات تتعلق بالطموح الشخصي، دون أن تكون متوفرة على المهارات أو الخبرات السياسية أو حاملة لمشروع سياسي حقيقي.

إن هذه العينة مناسبة تماما للمخزن، لأنها عبارة عن شرذمة من أعوان التنفيذ، الذين ليس لديهم أي مشروع أو تصور حقيقي، والذين ينظرون إلى المناصب السياسية باعتبارها مكافأة مهنية على خدماتهم. هناك كذلك نسخة أخرى من السياسيين لا تليق أبدا بهذه المواقع، وهي تلك الفئة من المنتخبين المحليين والبرلمانيين، التي نسجت شبكات من الزبونية في أوساط الإدارة، ورجال الأعمال، وتمرست على تقنيات التبييض، والتلفيق، وانتهاز الفرص، لأن آخر ما يمكن أن يفكر فيه هؤلاء هو الثقافة.

السياسيون الذين أعنيهم هم أولئك الذين ولجوا المجال العام من بوابة القضايا الوطنية، والذين لديهم اهتمام فكري وثقافي، وولاء للمغرب أولا وأخيرا، ويتمتعون بالقدرة على الإنصات، ولا يترددون في التعبير عن قناعاتهم بصوت مرتفع. مثل هؤلاء، موجودون في الأحزاب الوطنية وخارجها، وفي بعض النقابات، والجمعيات… وقد رأينا الأسلوب الراقي والمتميز، الذي أدار به ذ. إسماعيل العلوي، بالتعاون مع الوزير لحبيب الشوباني، الحوار الوطني، بالرغم من تباينهما الأيديولوجي، والذي يستحق كل التنويه، ويبين أن مثل هذه التباينات الأيديولوجية تختفي عندما تكون المصلحة الوطنية هي الأولى. يمكن أن أشير كذلك إلى شخصية مثل ذ. حسن أوريد، وهو مثقف من طينة نادرة، له غيرة على العربية والأمازيغية، ومعرفة واسعة ومتألقة باللغتين الإنجليزية والفرنسية، كما يمكن أن أشير أيضا إلى العالم اللغوي عبد القادر الفاسي الفهري، وغير هؤلاء كثر عندما تحسن الإرادة.

إلى جانب هؤلاء، هناك حاجة قوية إلى تمثيل المثقفين المغاربة من داخل اتحاد كتاب المغرب ومن خارجه. رغم الانتقادات التي نوجهها لوضعية الثقافة في المغرب، فإن الحركة الثقافية في بلادنا هي من أنشط الحركات في العالم العربي، كما أن عددا من المثقفين المغاربة يتميزون باستقلاليتهم، وانخراطهم العميق في الشأن العام. أخيرا، نحن بحاجة إلى أكاديميين متخصصين في اللسانيات، والأدب، والتاريخ، والتراث، والفن، والمعلوميات.

أنا واثق أنه إذا تحقق شرط النزاهة، وتم الانتقاء والترشيح على أساس الكفاءة، والولاء للمغرب أولا، فنحن قادرون على أن نطلق حركة ثقافية تتبوأ موقع الريادة في العالم العربي على مدى سنوات قليلة. مع ذلك؛ أنا لست متفائلا على الإطلاق، وأنا شبه واثق من أن منطق الإعاقة والترقيع والفرنسة الذي ساد في النماذج السابقة هو الذي سوف يتم اعتماده من جديد.

‭{‬ ما هو تصورك للخريطة اللغوية الأجنبية في منظومة المجلس عموما؟

‭{‬ تضع مجمل دول العالم استراتيجيات يحضر فيها عامل الواقع والهوية من جهة، والمصلحة الاقتصادية والعلمية من جهة أخرى. للأسف، لا تخضع سياستنا اللغوية في المغرب للواقع، ولا للمصلحة. الواقع يقول إن لدينا الآن لغة أمازيغية تتفرع إلى ثلاثة مرتكزات لغوية محلية، وعربية معيارية تربطنا بالتاريخ والدين، وبمحيطنا الجغرافي، وتشكل بفضل المدرسة أداة أساسية في الاندماج في الحياة العامة.

في مقابل هذه الحالة الواقعية، اختار صانعو القرار في المغرب الامتناع عن الاستثمار اللغوي والاقتصادي والعلمي في هذه الثروة اللغوية التي نمتلكها وتمتلكنا، وآثروا أن يستثمروا في الفرنسية التي تقع في صفوف متأخرة في الإنتاج العلمي، والأسواق الصاعدة، وفي معدل وسرعة الانتشار بالنسبة إلى عدد من اللغات، ومنها اللغة العربية.

إن هذا الاصطفاف اللاعقلاني يحرم الطفل المغربي، والأسرة المغربية، من حقهما في اختيار اللغة الأجنبية الأولى، كما أنه يحرم المغاربة من اختيار اللغات الأكثر تطورا وانتشارا كلغات أجنبية أولى، ويعطي للفرنسية موقعا امتيازيا غير مبرر، ليس بالعلاقة مع اللغات الأجنبية الأخرى، ولكن مع اللغتين العربية والأمازيغية كذلك.

إن هذا الامتياز الاحتكاري الذي أعطي للفرنسية يجعلها منافسا مباشرا للغة العربية، بل عامل إقصاء وسد لآفاق تطور هذه اللغة في المغرب، كما يؤدي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي للمغاربة بتقسيمهم إلى فقراء حضريين وريفيين يتحدثون العربية والأمازيغية، وإلى فئات متوسطة وعليا، حيث أصبحت الفرنسية هي لغتهم الأولى، وأحيانا هي اللغة الأم بالنسبة إلى عدد كبير من الأطفال الذين تفرض عليهم المدارس الخاصة التحدث بها، تماما كما كان يجري به العمل أيام الاستعمار في ثانوية أزرو.

‭{‬ لِمَ استبعد مشروع القانون الذي تقدم به مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية «مدى»؟ كيف تفسر استئثار وزارة الثقافة بهذا المشروع؟

< عندما تقدم مركز «مدى» بمسودة مقترح قوانين تخص المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، وإضفاء الطابع الرسمي على اللغة الأمازيغية، والعرائض والملتمسات التشريعية، وغيرها من المسودات، فإنه كان يسعى أولا إلى الانخراط في المقاربة التشاركية المستجدة، وبناء علاقة جديدة مع المجال العمومي تتجاوز الثقافة السابقة.

لقد كان لدينا تطلع خاص للمساهمة في بلورة مشروع المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية لأننا نؤمن بأولوية الثقافي، وبكونه حاسما في اندماج وتنمية مجتمعنا. لهذا السبب، انفتح مركز «مدى» على اتحاد كتاب المغرب، باعتباره المنظمة التي ينتظم داخلها أكبر عدد من الكتاب والمثقفين المغاربة، وانكببنا على صياغة وثيقة تعكس احتياجات وأوليات المثقف المغربي، وتنهل، بصورة واسعة، من مخرجات المناظرة الوطنية حول الثقافة المغربية، التي أشرف عليها الاتحاد، وقد زادت أهمية هذه الوثيقة بعد تبنيها من الفريقين الاتحادي والاستقلالي في البرلمان، وتنظيم اللقاء الموسع لمناقشة مضامينها، بمبادرة من مجموعة من البرلمانيين المغاربة من الفريقين داخل المؤسسة التشريعية.

إن المهم اليوم، ليس من قدم وثيقة تشريعية ما، ولكن المضامين التي تحملها هذه الوثيقة بمعايير الديمقراطية والحداثة ومشاركة المجتمع. إننا لازلنا في البداية فيما يخص فتح أبواب المشاركة التشريعية في وجه المجتمع عبر مؤسساته وهيئاته، ولذلك، فنحن لازلنا في مرحلة مد وجزر، وتثبيت أو تفريط في المكتسبات، قد يجعلنا نفقد الكثير من الوقت، ومن فرص التنمية.

إن منظومة الإصلاح الحقيقية لن تصبح مؤهلة للعمل، في ظل مقتضيات الدستور الجديد، إلا بعد المصادقة على القوانين التنظيمية المتعلقة بالعرائض والملتمسات التشريعية، والتقدم في أوراش الجهوية لأن هذه هي الأدوات التي يمكن للمجتمع أن يكون حاضرا بها ومن خلالها للحصول على المعلومة والمساءلة. وفي نهاية هذه المرحلة، التي لن تتجاوز بنظري العقد من الزمن، سوف تبدو لنا ثغرات ونقائص النظام السياسي الذي أسس له دستور 2011، وبالتالي، المقتضيات التي يجب أن تقود أولويات المرحلة السياسية الموالية.

إن هذا الطموح يقتضي من جهة، استثمار كل الفرص والإمكانيات الديمقراطية التي يسمح بها الدستور الجديد، والدفع بها إلى حدودها القصوى وفق تأويل ديمقراطي، والعمل على التمكين للمجتمع في مجالات التشريع، والتدبير والمحاسبة، وإعطاء البرامج السياسية والمشاريع المدروسة والواعدة الأولوية في الاعتبار، انطلاقا من معايير علمية وموضوعية، وكذلك من قوة الإرادة الشعبية.

‭{‬ هل سيكون المجلس بديلا عن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في مجال الثقافة واللغة الأمازيغتين؟

< لا أتوقع أن يكون هذا المجلس بديلا للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، فهذا المعهد له وظائف تتجاوز البعد الثقافي، كما أصبح له دور ملفت على المستوى الإقليمي، يطرح الكثير من التساؤلات. أنا أظن أن هناك داخل هذا المعهد، وحتى خارجه، من يريد تعميم المقاربة «المغربية» فيما يخص المعيرة، واعتماد الحرف، وكذلك فيما يتعلق بالرموز الأمازيغية على كل الفضاء المغاربي، وهذه مسألة في غاية الحساسية. وبغض النظر عن مضمون هذا المشروع الذي قد نتفق أو نختلف معه، فإن المغرب وحده هو من ينفذ سياسة مندمجة فيما يخص الأمازيغية، ولكمْ كنت أتمنى لو أن الدولتين المغاربيتين الأخرتين: الجزائر وليبيا، طورتا سياسات خاصة بهما بحيث نكون أمام خيارات متعددة توفر لنا إمكانيات المقارنة والاختيار على المستوى المغاربي، وفق هدف أساسي تسعى إليه كل الشعوب المعاصرة، وهو الاندماج الوطني، والمشاركة في المجال العام تحت يافطة المواطنة.

‭{‬ كيف يمكن أن يتصور مشروع ترسيم الأمازيغية داخل أجندة المجلس؟ وكيف تتصور وضع اللغة العربية في الخريطة اللغوية للمجلس؟

< أظن أن مسألة التطوير الفعلي لمكانة اللغتين العربية والأمازيغية هامشية لدى صناع القرار، بصورة خاصة فيما يتعلق باللغة العربية. الدليل على ذلك أن مشروع أكاديمية محمد السادس للغة العربية لازال مجمدا منذ سنوات وسنوات… وأن ترسيم اللغة الأمازيغية أدى دورا وظيفيا إلى حدود اليوم، وهو كسر نموذج اللغة الرسمية الواحدة والموحدة الذي كان يعقد الأمور أمام زحف الفرنسية بصفتها لغة الأمر الواقع.

 لقد أصبح بيد البروقراطيين والتقنوقراط اليوم، جواب روتيني عن أي احتجاج على استعمال اللغة الأجنبية، بفضل الخريطة اللغوية الجديدة، كما تحقق للمفرنسين نجاح استراتيجي بتقسيم صفوف المطالبين باحترام اللغة الرسمية للمغاربة إلى أوس وخزرج.

النجاح الاستراتيجي الثاني الذي سوف يحققه المفرنسون قريبا، هو الاستفادة من الوضعية اللغوية الجديدة، باستعمال اللغة الفرنسية بصفتها لغة الحياد بين أنصار العربية وأنصار الأمازيغية، بعد أن ينجحوا في المزيد من توتير العلاقة بين هذين المكونين. 

لا يجب أن نتفاجأ إذا رأينا المغرب مقسما لغويا في المستقبل، على شكل العلاقة نفسها بين الوالون والفلامان في بلجيكا، ولعل هذا هو المشروع الذي تنخرط فيه بعض المحطات الإذاعية اليوم على قدم وساق، ففي إحدى حلقات لوكس راديو، في السنة الماضية، نصح السيد جبرائيل بانون، وهو أحد المنشطين الرئيسيين للبرامج الحوارية الأمازيغ في المغرب، أن يتعبأوا لتشكيل لوبي خاص بهم، للدفاع عن حقوقهم اللغوية، تماما كما يشكل العرب (برأيه) لوبيا خاصا بهم لمنع تعميم استعمال اللغة الأمازيغية، وأنا في الحقيقة أستغرب كيف تغمض الهيئة العليا للإعلام السمعي البصري عينيها عن مثل هذه الهفوات، التي أرى أنها في غاية الخطورة، وتشكل تهديدا مباشرا للأمن الوطني المغربي.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.