رسالة دم ولكنها ليست باسمي

26 سبتمبر 2014 - 20:30

بالطريقة الهوليودية البشعة ذاتها، نفذ منتسبون جدد لداعش، اختاروا لأنفسهم اسم «جند الخلافة في أرض الجزائر» ووضعوا وحشيتهم في خدمة أبوبكر البغدادي، حكم الإعدام في حق الرهينة الفرنسية «هرفي كورديل»، أول أمس، بمكان ما بالمنطقة الجبلية المحيطة بتيزي وزو الجزائرية. فقد اعتمدوا الخطاب ذاته الخارج عن التاريخ والقائم أولا وأخيرا على «كراهية الآخر» فقط، لأنه مختلف. ولم يختلف إخراج عملية القتل الوحشية لأول أمس عن تلك التي سبقتها لحد الآن (ذبح الصحافيين الأمريكيين جيمس فولي وستيفن سوتلوف، والناشط البريطاني في المنظمات الإنسانية ديفيد هينز) سوى في اللغة المستعملة وفي الرداء البرتقالي الذي أرغم الرهائن الثلاثة سالفو الذكر على ارتدائه.

فبعد أن ذبحوا حرية التعبير والإخبار بسفك دماء كل من الصحافيين الأمريكيين، وبعد أن قتلوا التضامن الإنساني بذبح الرهينة البريطانية الذي لم يكن يقوم سوى بمساعدة اللاجئين السوريين، ها هم رجال البغدادي يعدمون فرنسيا متخصصا في تسلق الجبال وبلوغ القمم. والواقع أن قتل هيرفي كورديل يكشف حقيقة هذا التنظيم الذي لا يحب كل من يسعون إلى التقدم إلى أعلى ويجاهدون من أجل بلوغ القمم في كل المجالات. فهم لا يحبون المعارف والعلوم التي تضيء العتمات للإنسان وتدفع به إلى بلوغ القمم فكريا وعلميا، وسارعوا إلى حظرها في المناطق التي يسيطرون عليها.

إنهم أناس يحبون العيش هناك في قعر الحفر المظلمة.. قعر التاريخ.. قعر الفكر.. باختصار قعر الإنسانية، والعيش على الغرائز البدائية المظلمة للإنسانية.

لا شك أن سفك دم الرهينة الفرنسية البريء ستضخ ما تيسر من الدماء في جسد كل أولئك الذين يربطون شرور العالم بالإسلام والمسلمين، ولن يأهبوا ولو لحظة للأصوات التي مافتئت تصرخ بأن ما يقوم به رجال داعش والقاعدة وغيرهم من المتطرفين ليس من الإسلام في شيء، وأنهم يعمدون إلى لًيْ أعناق النصوص الإسلامية المقدسة من قرآن وحديث ويعطونها التأويل الذي يصب في مجرى وحشيتهم.. التأويل الذي يروي عطشهم إلى سفك دماء الآخرين بدم بارد.

إن رجال داعش وغيرهم من المتطرفين، ومن خلال العرض الفرجوي لعمليات القتل هذه، لا يسعون فقط، إلى إرهاب البلدان الغربية وجعل مواطنيها يدفعون ثمن تدخلها الحالي في العراق وسوريا، بل ما يصبون إليه في العمق هو دفع المجتمعات الغربية إلى الرد بالمثل على عمليات الذبح، وبالتالي خلق صراع مجتمعي/  ديني/ حضاري وتقسيم العالم – وفق تحليلهم التبسيطي- إلى «فسطاطين»: فسطاط الأخيار وفسطاط الأشرار، يعتبر فيه كل طرف نفسه منبع الخير والآخر مصدر الشر.

وبالتالي فما قام به رجال داعش وما يقومون به وما سيقومون به (من قتل فهم لا يتقنون شيئا غيره على كل حال) لا يمثلني بأي شكل من الأشكال، أنا الكائن المغربي الذي كتب عليه أن يولد مسلما، والذي ترعرع وسط بيئة يغلفها إسلام متسامح جدا ليس من خصاله أبدا قتل الآخر المختلف.

وأقول لهم ليس لكم الحق أن تقوموا بالقتل وسفك الدماء باسمي، لأني، وكثيرون جدا مثلي على امتداد الرقعة الجغرافية الواسعة التي يغطيها الإسلام، لست قاتلا ولا أؤمن بأن من يختلف عني (سواء أكان شيعيا أو مسيحيا أو يهوديا أو أزيديا أو بوذيا أو…) يستحق القتل، بل على العكس أراه مصدر غنى وثراء، وأعتبره سبيلا لبلوغ تلك القمم التي يكرهون حتى مجرد رفع أعينهم لرؤيتها.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.