الدستور باعتباره تعاقداً اجتماعيا

29/09/2014 - 19:51

يُكمّل هذا العمود نظيرَه السابق ويتكامل معه. ففي الأسبوع المنصرم تساءلنا حول ما إذا كانت الدسترة العربية الجديدة قادرة على تعزيز التحول الديمقراطي في بلدان الحراك العربي، ونروم اليوم تحليلَ كيف أن الدستور قبل أن يكون وثيقةً لضبط السلطة، وتنظيم العلاقات بين مؤسساتها، وإقرار الحقوق والحريات وضمان حسن ممارستها، هو، أولاً وقبل كل شيء، تعاقد اجتماعي وسياسي.

 تُحيل فكرة العقد، أيّ عقد، على شرط الإرادة. فالعقد السليم يتحقق باقتران إرادتين أو إرادات، أي حصول القبول الطوعي والإرادي للمتعاقدين. والحال أن مصدرَ القبول ومنبعَه يتوقفان على متطلبات لازِمة، أبرزها: الاعتراف المتبادل بين الأطراف المتعاقدة، والمشاركة المتكافئة في الحوار والنقاش والتفاوض، والاقتناع الجماعي بالبحث عن المشترك، أي الوصول إلى «نعم»، ومن ثمة المساهمة في صياغة الدستور، بوصفه مكرّساً لمضمون ما أسفر عنه حوار الإرادات وتفاوضها، وهنا بالذات يتأكد الطابع التعاقدي للدساتير.

ليس الحوار، المؤسَّس على الإرادية والطوعية -والمُنتِج للدستور، أي للتعاقد الاجتماعي والسياسي- آليةً تقنيةً، إنه بالضرورة عملية ذهنية وثقافية، تتشابك في صنعها معطيات التاريخ، والسياسة والثقافة، ودور النخب وقدرتها على قيادة الحوار باقتدار وكفاءة. ثم إن الحوار الناجح والمنتِج لآثاره، هو وجوباً حوار حول الممكن، والسياسة، كما يقال، «فن الممكن»، أو «فن فعل الممكن». بيد أن متطلب «الممكن» في توجيه الحوار وقيادته، يجب ألاّ يتحول إلى قبول بالأمر الواقع، واستسلام لضغوطاته، إنه بهذا الفعل إن حصل، ينزلق من حوار حول الممكن إلى تنكّر للمطلوب، وخيانة له، وهذا ما حصل في العديد من تجارب المفاوضات حول كتابة الدساتير.

 لا شك أن الدساتير العربية الجديدة مازالت في عمومها مفتقِرة إلى شروط التعاقد الاجتماعي والسياسي، بالمعاني التي أبرزناها أعلاه. فشرط الحوار الشامل، والمتكافئ، والعميق والناضِج، ظل متواضعاً، وتحقّق لِماماً. ولأن المجتمعات العربية في مجملها معقدّة في تركيبتها الاجتماعية والسياسية والإثنية، وتُعوزها خبرات التمرّس على المشاركة الديمقراطية، فقد عزّ عليها تدبير اختلافاتها ذات الصلة بالقضايا المفصلية في سياق البناء الجديد، من قبيل طبيعة الدولة والسلطة، والهوية، والدين، ومنظومة الحقوق والحريات. ولأن ديناميات الحراك العربي، أو ما سمي «الربيع العربي»، لم تصل إلى مداها من الاكتمال والنضج، وتعرضت لاختراقات إقليمية ودولية، فقد كان مصير الحوار والتفاوض حول الدساتير الجديدة، محدوداً ومرتبكاً في دول، وغير معبّر عن كل مكونات المجتمع في بلدان أخرى، أو مفتقر إلى مقومات الحوار في أقطار ثالثة. وكما يقال «المقدمات تُرهن الخواتم أو النتائج».. ولذلك، لا تحفز مؤشرات بناء الدساتير الجديدة في عموم البلاد العربية على الاقتناع بأننا أمام تعاقد اجتماعي وسياسي جديد، أي أمام فلسفة دستورية مغايرة لتنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع.

 ربما تساعدنا الإحالة، وإن بشكل أولي، على ثلاثة نماذج من هذه الدول، على فهم عُسر إنتاج الدساتير العربية الجديدة لتعاقد اجتماعي وسياسي جديد، وتكريس مضامينه، وهي تحديداً: تونس، ومصر، والمغرب. ففي الحالة التونسية -وهي الأوضح والأكثر إقناعاً بالطريقة التي أنجزت بواسطتها الدسترة الجديدة- يمكن الإقرار بأن ثمة علاقة بين الدستور الجديد [2014] وفكرة التعاقد الاجتماعي والسياسي، إذا اعتمدنا مؤشرات صياغة الدستور بالحوار داخل مجلس وطني تأسيسي منتخب، والنجاح في التوافق حول الفلسفة الدستورية الجديدة، الناظِمة لأحكامه ومقتضياته، والاتفاق بالتراضي حول إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة. ومع ذلك تبقى الآفاق محفوفة بالمخاطر، لاعتبارات موضوعية أبرزها صعوبة التمكّن من تنقية حقبة الحكم السابق، والتقدم في بثّ روح المصالحة الوطنية، وصعوبة توفير شروط إعادة الثقة إلى المواطنين في أن القادم أفضل بالنسبة إلى أوضاعهم. أما في مصر، فالوضع أعقد وأكثر إقناعاً بأن المصريين لم يتفقوا بعد على تعاقدهم الاجتماعي والسياسي الجديد، بسبب أن الدستور الجديد [2014]، كسابقه [2012] لم يكن ثمرة توافق شامل وعريض لمكونات المجتمع المصري، وأن سلطان الإرادة لم يكتمل حين تفاوضهم حول كتابة الدستور، والخوف كل الخوف أن تتسع شروخ المجتمع المصري وانكساراته، وأن يتراجع الوضع إلى أسوأ مما كان عليه، والحال أن المؤشرات الدالة على هذا الأفق ماانفكت تتزايد.. فظاهرة الانتحار في تصاعد، وترتيب مصر في سلم التعاسة استقر في الدرجة الثالثة عالميا. أما الحالة المغربية، فالحكم سيكون موضوعيا ومنصفاً حين الانتهاء من كتابة الشق الثاني من الدستور، أي القوانين التنظيمية والعادية، ودخول الوثيقة الدستورية برمتها حيّز التطبيق، وإجراء الانتخابات المقبلة لعامي 2015 و2016، وتقديم الحكومة المنصبة في يناير 2012 حصيلة ولايتها للمواطنين.

شارك المقال