همس أحدهم في أُذْنِ صاحبه قائلا: «نكتفي بحضور فقرة افتتاح المناظرة، وبعدها نغادر القاعة».
وقد اختفى صفّان كاملان بمجرد انصراف الوزير بُعيْدَ حفل الشاي مباشرة !!
سجل هؤلاء حضورا شكليا احتفظت به عينا الوزير وعدسات مصوري القنوات العمومية !!
ومازالت أذكر أني أثناء فترة الدارسة بالثانوية ألقيت عرضا في موضوع: «حسان بن ثابت شاعر الرسول». وقد طرح عليّ أحد التلاميذ المحسوبين على الكسالى السؤال التالي: «هل كان حسان بن ثابت متفائلا»؟ فأجبته بالقول: «كَانَ نَائِمًا». فالسائل كان فقط، يريد تسجيل حضوره الباهت في ما لا اهتمام له به. وقد كبر هذا الداء واستفحل في معظم المنابر العلمية، وتناسلت أسراب «الكُوْمبَارس» بربطات العنق المحتلين للصفوف الأمامية كدمى الواجهة، وغالبا ما يتسلل السَّأمُ إلى هذه النفوس فتنصرف عن أجواء المناظرة إلى اللعب بأزرار الهواتف أو الدردشة في شَوْقٍ زائد لإعلان مُدِير اللِّقاء انتهاء فترة الافتتاح !!
ومن عجب الأمور أني حضرت لقاءً علميا طرح فيه أحد الحاضرين عشرات الأسئلة، وفوجئنا أثناء استعداد المناظرين للجواب أن المعني بالأمر غادر القاعة وذهب لِحَال سبيله!!
لم يكن من باب العبث أن تُسَمَّى ورقة الحضور للتلاميذ بالفصول «لاَئِحَة الغِيَاب»، فَبحُكم التجربة افترض القائمون على شؤون التعليم ببلادنا أن فرضية الغياب هي الأصل، وأن الحضور استثناء!
ومن باب التحفيز يضطر البعض إلى تضمين برنامجَ الأيَّامِ الدراسية فترة الوجبات، حتى يَضْبِطَ الحضور الشكلي ساعتهُ على مواعيدها بدقة جد متناهية !!
وأذكر في ما أذكر أننا لم نجد أحدًا من الحضور في ندوة أعدتها إحدى المؤسسات العلمية، وأصر أحد الزملاء على عدم إلقاء عرضه أمام عشرة أفراد، فما كان من مدير المؤسسة إلاّ أن خرج إلى وسط الشارع وأدخل مجموعة من التلاميذ والبَاعَة الجائلين والمارين لإرضاء صاحبنا!!
إذا كانت الفائدة شبه منعدمة من حضور كثيف لا يواكب مجريات المواضيع التي تناقش أمامه، ولا يخجل البعض منهم من أن يقول لصاحبه: فَاِئدَة هذه اللقاءات أنها تحقق أمنية صعبة المنال ألا وهي صلة الرحم بين من شَتَّتَتْ شملهم أسباب الحياة، فإن الطين يزداد بِلة أكثر عندما تكتسح مساحة الغياب معظم الكراسي المُعَدَّة.
في المنابر العلمية للحاضرين رغبات، إذ قلة قليلة جادة تسعى إلى الاستفادة، ومعظمهم من الطلبة، أما الباقي فموزع بين من يرغب أن تلتقي عينا رئيسه به لِيَحْتَضِنَهُ ثم يغادر الساحة بعد ذلك. وهناك من وجد في الوقوف وراء مكبر الصوت بدون داع فرصة لإثبات الذات بطريق الخداع. وقد فوجئت يوما بمن تَولَّى إلقاء الكلمة باسم اللجنة الثقافية أمام الطاقم الوزاري وليس بينه وبين الثقافة إلاّ الخير والإحسان، فقد أيقن الخطيبُ أن هذا الميدان أيضا يمكن أن يحقق له مكاسب تُضاف إلى المكاسب التي حققها ولازال يحققها من ضرْع مُهِّمَتِه!!
في ندوة العرائش التي دعاني للمشاركة فيها الأستاذ الفاضل الدكتور عبد الله ساعف، وبعدما ألقيتُ عرضا في موضوع «مكامن الخلل في مشروع إصلاح منظومة العدالة»، انتصب أحَدُهم واقفا من فصيل الكُومبارس سائلا، محاضرتك عبارة عن شكاية بواقع الحال، إذ هناك فئات أخرى بأجر زهيد ومهامها أكثر أهمية. ولقد كان جوابي كالتالي: لا أعرف ما إذا كان السائل لازال يتابع دراسته كطالب أو لا، وفي جميع الأحوال، يمكنني أن أحيله على أهم المراجع في تراثنا القضائي الإسلامي وفي الأنظمة القضائية المقارنة وفي المواثيق الدولية التي عرضت لمكانة القاضي وأجره، وسوف يقنعه أولئك الباحثون بدلاً منّي، وليس هناك من مانع لدى محاضري المنصة أن يشرفوا عليه في الموضوع»!!
عندما أُعاين هذا الواقع، وأقارنه بما يحصل في مجتمعات أخرى، وأعجب من إقبال أبنائها على اقتناء تذاكر باهظة الثمن لحُضُورِ مناظرة رئيس دولة سابق أو فيلسوف أو سينمائي مقتدر، وأنْبَهِر بالقاعة الفسيحة المليئة بالحضور الفعلي، وتَشُدُّنِي لحظة توقيع المُحَاضِر على مناديل الحضور وعلى معاطفهم، أفهم فعلا لماذا نحن مُتَخَلفِين؟ لماذا نحن في الدرك الأسفل؟.
وقد خجلت من نفسي عندما أعددت ندوة في موضوع قضائي شائك، وقد غادر المعنيون بالخطاب القاعة بمجرد انتهاء حفل الافتتاح، فأَلقينا عروضاً أمام الطلبة وموظفي المؤسسة.
بعد هذا نتحدث عن الحضور اللافت للنظر في سباق الحياة، بدلا من التحدث عن غياب لاَفِتٍ هُوَ أقربُ إلى الموت مِنْ حَبْلِ الوَريد!!
Fmjc.maroc@gmail.com
رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين