عندما كنت أذهب بانتظام كبير إلى مركب محمد الخامس أو العربي الزاولي أو الأب جيكو بالدار البيضاء في منتصف الثمانينيات وطيلة عقد التسعينيات، لتشجيع فريقي رفقة أقراني، لا أنكر أننا لم نكن نتورع في كيل ما تجود به ألسنتنا من شتائم للحكام فقط، لأن قراراتهم كانت لا تعجبنا، كما كنا نصبّ جام غضبنا على اللاعبين ونسبّهم وأهلهم عندما يبدو لنا أنهم لا يتفانون في الدفاع عن قميص فريقي. وحاولت أن أتذكر يوما ما رددنا هتافات مساندة للإرهاب أو التطرف، بعد أن أخبرني صديق أن جزءا من المشجعين رفعوا شعارات تساند تنظيم «داعش» الإرهابي في نهاية الأسبوع الماضي بملعب العبدي في مدينة الجديدة، فلم أجد أننا فعلنا ذلك.
صحيح أنني لم أعد أقصد الملاعب إلا نادرا جدا، ولكن لا أخفي إعجابي باللوحات الجميلة التي تبدعها الجماهير الرياضية على المدرجات بـ»تيفوهات» تعكس قدرة كبيرة على الإبداع و»ميسجات» تكون ذات حمولة سياسية في العديد من المرات. كما لا أخفي سخطي أمام أعمال العنف التي تندلع بين الفينة والأخرى في العديد من الملاعب المغربية.
بيد أن ما جرى في ملعب الجديدة في نهاية الأسبوع الماضي لا يجب، في تقديري، أن نمر عليه مرور البخلاء، ويفترض فينا جميعا أن نطرحه للتفكير والتأمل وإن كان صدر عن فئة قليلة من الجماهير. ولا يتعين أن نعتبره مجرد التهاب صغير على جلد المجتمع سيتلاشى بعد حين، بل يجب أن يُنظر إليه كواحد من تلك الأعراض الأولية لمرض خطير يعتمل تحت الجلد، ويستحسن التصدي له مبكرا قبل أن يستفحل ويصعب علاجه أو يستحيل.
فإذا كان الذين رفعوا شعارات «داعش.. داعش» و»الله أكبر إلى الجهاد».. «الله أكبر إلى الجهاد» ورددوها عدة مرات وبحماس لا تخطئه العين يدركون حقا مغزى ما قاموا به، فإن الأمر يكتسي درجة كبيرة من الخطورة، لأن الجماهير الرياضية، وخاصة تلك التي تشجع فرق كرة القدم أصبحت على درجة عالية من التنظيم، ولها تأثير كبير في كل الشباب الذين ينتسبون إليها أو يتعاطفون معها. ومن المفيد هنا التذكير بالتأثير الكبير لـ»إلترا»(les ultras) الوداد العام الماضي لما دعت مشجعي الفريق الأحمر إلى مقاطعة مبارياته، فاستجاب لها العديد منهم طيلة أسابيع، كما يجدر التذكير هنا بالدور الفعال الذي لعبته «إلترات» الأهلي والزمالك في إنجاح ثورة 25 يناير 2011 بمصر، بعدما استطاع أفرادها الصمود على الأرض في ميدان التحرير ومواجهة قوات أمن نظام مبارك.
إن وصول الفكر المتطرف ولو إلى جزء من هذه الجماهير المنتظمة ضمن «الإلترات» سيعد فعلا منعطفا خطيرا، لأنه سيكون قد وصل إلى مدرجات ملاعب كرة القدم التي كانت السلطة تعتبرها مكانا مخصصا لتفريغ غضب المغاربة أو جزء كبير منهم على الأقل. ألم يقل الراحل الحسن الثاني للوزير الذي اقترح توقيف بطولة كرة القدم بعد هزيمة المنتخب المغربي أمام نظيره الجزائري بالدارالبيضاء بـ5 أهداف مقابل هدف واحد: إذا أوقفنا البطولة لمن سيقول المغاربة «ولاربيط..با مسخوط الوالدين كل أسبوع؟»
أما إذا كان الشبان الذين رفعوا تلك الشعارات، غير واعين بمغزاها، وهذا هو المرجح في تقديري، فإن الأمر يكتسي درجة أكبر من الخطورة. لأن ترديد مثل هذه الشعارات المناصرة لتنظيم إرهابي دون وعي يمثل في نظري «فلتة لسان»(lapsus) من جزء من المجتمع المغربي وفقا للتعريف الفرويدي. أي إنها تعبير عن شعور عميق يسكن لاوعيه، واستطاع الإفلات من الرقابات العددية والتعبير عن نفسه في تلك الهتافات التي تم رفعها بذلك الحماس الذي تقشعر له الأبدان داخل ملعب العبدي بالجديدة.