سوق فريد من نوعه، لا محلات فيه أو خيام، ولا حتى عربات. الباعة ليسو تجاراً، وموعده ليس أسبوعياً أو شهرياً، بل يعقد مرة واحدة في السنة لمدة لا تتجاوز ثلاثة أيام. يتجمع فيه العشرات من العارضين دون تنسيق مسبق، ليختفي الباعة والمشترون مثل أشباح أو عفاريت خرجت من مصباح سحري ثم سرعان ما تعود من حيث أتت. إنها سوق بيع لحم أضحية العيد. [related_posts]

هو سوق يحتضنه شارع مُحاذي لـ »درب ميلا »، في مدينة الدار البيضاء، مُتخصص في بيع اللحوم و »الرؤوس » و »الكرعين » إلى جانب « الكرشة » وأمعاء الأضاحي. التجارة فيه لا تخض لمنطق العرض والطلب، خُصوصا أنه يُعقد بعيداً عن السلطات، وربما في « غفلة » منها أو « تغافل » عنه..
هم باعة لحوم وليسو جزارين، متسولين يعرضون بضاعتهم فوق أكياس جمعوا فيها لحوماً ا جادت بها أيادي المحسنين، أو تم « السطو » عليها في غفلة من أصحابها، ليقبل عليها فقراء لم يُسعفهم العوز لشراء أضحية العيد، وعُزاب منعتهم ظروف العمل من قضاء العيد بين الأهل والأحباب، فيما يعتلي قائمة الزبناء، بائعو « الصوصيص »، و »الخليع »، وباقي الوجبات السريعة التي يستعمل فيها اللحم كمادة رئيسية.
أثمنة بخسة، وظروف غير صحية..
ما إن تطأ قدماك هذا السوق، حتى تحس أن الأعين تتربص بك، إذ على الرغم من أن أبوابه مفتوحة أمام الجميع، ولا « تُزعجه » السلطات، إلا أن الباعة هُنا ومن معهم يتوجسون من أبسط حركة غريبة، الأمر الذي يجعل تواجد صحافي أو مُصور هنا، وربما حتى مُجرد « فضولي » يمشي في السوق، أمر فيه نوع من الخطورة على سلامته الجسدية، خُصوصا وأن فئة غير يسيرة من العارضين هم لُصوص من ذوي السوابق، ألفوا نقش « الأخاديد » الغائرة على الوجوه بسهولة..
[related_post] يبدو السوق أشبه بمجزرة، إذ يفترش الباعة الأرض لعرض سلعهم مباشرة تحت أشعة الشمس والغبار ودخان السيارات، فيما يحرص أفضلهم وهم قلة على وضع اللحم في أكياس، أو حفظها في ثلاجات محمولة، إلا أن القاسم المشترك بحسب ما عاينت « اليوم 24″، هو الأثمنة البخسة التي يباع فيها اللحم في هذا السوق الموسمي، إذ يترواح ثمن الكيلوغرام الواحد ما بين20 و30 درهما، فيما يفضل آخرون بيعه بـ »العرام » الذي يتراوح ثمنه ما بين أربعين وستين درهما. « لا غلا على مسكين، أصلا هوما كلشي عندهم رباح راهم ما دافعين حتى ريال »، يعلق أحد المشترين، مضيفا « راه أنت وشطارتك تقدر تدي كيلو غير بـ 15 درهم خاصك غير تتلاقا مع شي واحد شافر السقيطة وباغي يتفك »..
هُناك، في إحدى الزوايا، جلست امرأة مسنة تبدو مرهقة من جور الزمن، (جلست) القرفصاء وغطت وجهها إلا عينيها بـ »خرقة » سوداء، وعلى الأرض أمامها فرشت قطعة « بلاستيك »، وفوقه كوَمت عشرات الكيلوغرامات من اللحم، تعمل على لفت انتباه المارة إليها بترديدها جملا متتابعة بين الفينة والأخرى، « هانتا وليدي لحيمات باقيين طريين ونقيين »، « زيد أخويا ها هبيرات يشهيو في شي طاجين »..
اقتربت « اليوم 24 » من هذه المرأة في حذر، مستفسرة عن ثمن « العرام » الذي تتراوح كتلته ما بين الكيلوغرام والكيلوغرامين، لتجيب المرأة في حماسة: « هاك أ وليدي غير 40 درهم لا غلا على مسكين »، مردفة القول: « ولا بغيتي ثلاثة ديال العرارم نحسب ليك غير 30 درهم للواحد »..
رحلة جمع السلعة..
الأثمنة البخسة لهذه اللحوم دفعت « اليوم 24 » للتساؤل عن مصدرها، إلا أن جُل من طرقت بابهم من الباعة يردوت عليها بجواب وحيد « شري ولا عينيك في حاجة أخرى سير فحالك »، لكن صالح ذو الخمسين سنة كسرة هذه القاعدة، خصوصا بعد أن اقتنينا منه « عرامين »، وزدناه بضع دراهم عن ثمنها. [related_video]
يروي صالح، العجوز الذي ما عاد يقوى على المشي، أنه يبدأ جمع اللحم من المحسنين منذ مساء أول أيام العيد، حيث يحوم حول الأحياء الشعبية ويطرق أبواب منازلها، فهذا يعطيه كتفا والآخر رأسا، وأناس كثر يكتفون ببضع قطع. يخزنها في أكياس بلاستيكية في انتظار شحنها إلى سوق « درب ميلا »، ثم يعاود الكرة طيلة الأيام الثلاثة الموالية، يجمع اللحم ثم يأتي به إلى هنا من أجل بيعه، عساه يحصل على مال يغنيه عن السؤال أسبوعا أو اثنين.
« ليس الجميع هنا مُتسولون »، يقول عزيز المواظب على بيع اللحم في سوق « درب ميلا »، لأكثر من ست سنوات، والذي صار يعرف تقريبا الجميع، ليسترسل في الحديث عن جيرانه من « التجار » المؤقتين..
« ذاك الشاب هُناك يعمل رفقة أربعة من أصدقاءه على سرقة اللحم من الأحياء »، يروي عزيز مشيرا بنظره إلى شاب في ربيعه الثالث يقف وأمامه طاولة مليئة باللحم المرتب في أكياس بلاستيكية بيضاء، وحوله تجمهر حوالي عشرة من الناس، فيما وقف شامخا وراء طاولته، وعلى وجهه العابس المليء بآثار الجروح رُسمت ملامح صارمة، يستعين بها بين الفينة والأخرى في طرد غير الزبناء.
هذا الشاب مُكلف بالبيع، لكن أصدقائه الأربعة يجوبون أحياء البيضاء على متن دراجة نارية بحثا عن سلعة « مجانية » غفل عنها أهلها ليقوموا بسرقتها ومن ثم جلبها إلى صديقهم بغرض بيعها ثُم اقتسام »الغنائم » في المساء، بحسب قول عزيز الذي أكد لـ »اليوم 24″، أن هؤلاء الشباب أحضروا في ثاني أيام العيد « سقيطتين » كاملتين، دون الحديث عن بعض الأجزاء المتفرقة.

هذا السوق وعلى الرغم من عدم خضوعه لقوانين العرض والطلب، إلا أنه لم يخل بدوره من « الشناقة » و »السماسرة »، فبحسب عزيز فإن « هناك عددا من الأشخاص يحضرون إلى السوق ليشتروا اللحم جملة من بعض الباعة، ثم يعيدون بيعه في نفس السوق مع ربح عشر أو خمسة دراهم في العرام، وكلما رأوا وافدا جديدا يشترون ما لديه من بضاعة، ويقومون بإعادة بيعها ».
عزاب، مهاجرون، وباعة متجولون..
أول ما تقف بهذا السوق، يسهل عليك التعرف على طينة زبنائه، فمُعظمهم من « الزوافرية »، أي الشباب الذين أتوا من مدن أخرى للعمل بمدينة الدار البيضاء، ولم تسعفهم الظروف للإلتحاق بأهاليهم لقضاء عيد الأضحى، إلى جانب مجموعة من المهاجرين القادمين من جنوب الصحراء، الذين تعد هذه المناسبة فرصة لهم رفقة فئات واسعة من الفقراء من أجل التمتع بمذاق اللحم الذي يمنعهم ثمنه « الغالي » من اقتنائه في الأيام العادية. [related_posts]
الوافدون على هذا السوق ليسوا فقط من المعوزين الذين يتصيدون « الهمزة » لاقتناع اللحم بثمن رخيص، بل إن العرض الوافر الذي يرافقه انخفاض شديد في الأثمنة، يُسيل لعاب العديد من بائعي الأكلات الجاهزة خُصوصا « الصوصيط » و »الخليع »، وهو الشيء الذي عاينته « اليوم » 24 خلال تواجدها لساعات بهذا السوق، والذي أكده أيضا عزيز، موضحا أن « هؤلاء يعملون على اقتناء كميات كبيرة جدا منتهزين الأثمنة البخسة وغير مبالين بالجودة، إذ يعملون على ااغتنام الفرصة وشراء كميات كبيرة، ثم يخزنونها في ثلاجات كبيرة ليستعملوها فيما بعد في إعداد أكلات سريعة على متن عربات مدفوعة يتنقلون بها في أحياء شعبية في كازا بلانكا ».

غفلة أم تغافل؟!
ظاهرة إعادة بيع لحوم الأضاحي بعد العيد، تفشت في المغرب منذ سنوات خلت، وبدأت تأخذ في الاتساع، رغم ما يعتبره البعض من كونها تجارة « غير أخلاقية »، يستغل فيها المتسولون كرم الناس من أجل تحصيل الأموال، معتبرين ذلك احتيالا واستغلالا للمناسبة وللمتصدقين.
كما يُطرح الجانب الصحي في مسألة بيع اللحوم في الشارع العام، حيث تغيب ظروف التبريد القادرة على الحفاظ على جودة اللحوم، خصوصا أنها توضع في أكياس بلاستيكية، وتتعرض لحرارة مرتفعة تشهدها مختلف مدن المغرب خلال هذه الأيام الأخيرة..
كل هذا يطرح مجموعة من التساؤلات حول السماح لمثل هذه الممارسات بالبقاء دون تدخل من السلطات المعنية سواء السلطات المحلية أو تلك المكلفة بحفظ السلامة الصحية.

