مثّل الخطاب الملكي، بمناسبة افتتاح السنة الرابعة من الولاية التشريعية التاسعة، وقفةً نوعيةً جديدة لمصارحة الذات ونقدِ أدائها، وإبرازِ ما حقّقت من إنجازات. كما شكّل مناسبة للتذكير بما يجب أن يبقى حاضرا، موجّها، وناظِما للعيش المشترك للمغاربة. ولأن خطاب الجمعة 10 أكتوبر 2014، جاء في سياق موسوم بكثافة الاستحقاقات التي تنتظر المغربَ ومؤسساتِه ونخبه، فقد طُبع، هو الآخر، بكثافة الرسائل السياسية، وعمق المعاني، وقوة الدلالات والأبعاد.
ثمة لازِمةٌ مرجعيةٌ مُؤسِّسَة للخطاب الملكي، ومؤثِّثة لكل مفاصِله، تتعلق بـ»حبّ الوطن» والزهد في الاعتزاز به، ليس قولاً فقط، ولكن عملاً وممارسة أيضاً وأساساً. ومن يتأمل في عمق هذه اللازِمة، ويستوعب أبعادها، يلمس درجةَ صراحة الخطاب، وصدقَ وطنيته، كما يعي طبيعةَ الصعوبات التي تعترض المغاربة ومن يسوس شؤونهم، في التجسيد اليومي الصادق للمحبة والإخلاص لوطنهم. ولأن الوطنية قيمٌ، وثقافةٌ، وسلوك، نتشرّبها صغاراً، وننمو في كنفها، ونمارسها في حياتنا، ونعلّمها لأطفالنا وذوينا، وتُداوِلُها الأجيالُ المتعاقبة، وتحرص على صيانتها، فهي موسومة بالديمومة والاستمرار، ومُنزّهة عن الأنانية وحب الذات، ولصيقة بالجماعي والمشترك، وبعيدة عن التهافت والإثراء بغير حق..إنها أولاً وأخيراً نقيض «الريع»، بحسبه عديم الوطنية، ولا وطن له على الإطلاق.
تَوجّه الخطاب الملكي إلى نواب الأمة، بوصفهم قيّمين على التمثيلية والوساطة، ومسؤولين أمام ناخبيهم عن ممارساتهم، ليُذكرهم بنُبل مهامهم الدستورية، التي فوضّها الجسم الانتخابي إياهم بواسطة التصويت. كما توجه إلى الفاعلين في الحق الحزبي، لينبّهَهم إلى أهمية المحافظة على جذوة الوطنية حيةً ومتقدةً..ولأن العلاقة تلازمية بين الأحزاب والنواب، فكل ضعف، أو تراجع، أو وَهن في قيمة الوطنية والاعتزاز بالوطن، ينعكس حتما على أداء البرلمان، ويضر بوساطتهم وتمثيليتهم، والأخطر يبثُّ روحَ الجري وراء المنافع الشخصية في صفوفهم، فتتآكل شرعيتُهم، ويفقدون بالنتيجة ثقةَ الناخبين فيهم. لذلك، تظل مسؤولية الفاعل الحزبي في هذا المضمار أكثرَ من مركزية، فهو مصدر إنتاج النخب البرلمانية، وهو المحاسَبُ الطبيعي عن أدائها. والواقع أن وَسمَ الخطاب الملكي سلوكَ بعض النواب وتمسكهم بمقاعدهم بـ «الريع»، يعبر، بشكل عميق، عن حال الانتخابات في بلادنا، كما يعكس، مع الأسف، الفهمَ السيئ لعدد يسير من النواب لوظيفتهم النيابية. ومن هنا يكون الفاعلون الحزبيون الأولى بالمساءلة والمحاسبة، إذ هم من يشرفون على اختيار من يتوسلون فيهم القدرة على تمثيل الناخبين، والكفاءة في الدفاع عن تطلعاتهم بنزاهة.
في الخطاب الملكي درجة عالية من الوعي لما ينتظر المغرب ونخبه السياسية من صعوبات، لتحويل مصادر الخلل والإعاقة في فهم الشأن العام وتدبيره، إلى مكامن قوة لحسن قيادته بنجاعة واقتدار. ولأن ثقافةَ الريع قاتلةٌ بطبيعتها، ومُضرةٌ للبلاد والعباد، فقد ظلت لازِمةُ «الوطنية والاعتزاز بالوطن»، حاضرةً في كل مقاطع الخطاب، وموجّهةً لرسائله، ليس تجاه النواب وأحزابهم، ولكن حُيال المواطنين كافة. بيد أن لازِمة «الوطنية»، وهذا جانب قوي في الخطاب، ليست معطى معيارياً، أو تعبيراً هلامياً، إنها قيمة محكومة بزمان ومكان، ومحاطة بمصفوفة من المتطلبات واللوازم. لذلك، شدد الخطاب الملكي على الطابع الحاسِم للسنة التشريعية الحالية بالنسبة إلى المسار السياسي للمغرب، فخلالها، سيتم اعتماد «الجهوية المتقدمة»، التي اعتبرها خطاب 09 مارس 2011 حجر الزاوية لكل الإصلاحات الدستورية والسياسية، كما ستتم صياغة القوانين التنظيمية المكمّلة للدستور، وإقامة المؤسسات الدستورية الجديدة، والأكثر ستنظم الانتخابات المحلية والجهوية. فهل قامت الأحزاب، كما تساءل الخطاب الملكي، بإعداد النخب والبرامج للنهوض بتدبير الشأن العام؟
يُدرك الخطاب الملكي مركزية الاستحقاقات المقبلة [2015 ـ 2016] في سيرورة الجيل الجديد من الإصلاحات الدستورية والسياسية، كما يعي نوعية التغيير المنتظر منها في إعادة صياغة الثقافة السياسية للفاعلين السياسيين والمواطنين على حد سواء، ومن ثمة ينبّه على أن «التحدي الكبير الذي يواجه المغرب اليوم، لا يتعلق فقط، بتوزيع السلط بين المركز والجهات والجماعات المحلية، وإنما بحسن ممارسة هذه السلط وجعلها في خدمة المواطن». والواقع أن مربط الفرس يكمن في هذه القضية بالذات، أي في القدرة على القطع مع ثقافة الريع في السياسة والانتقال إلى تأسيس ثقافة سياسية جديدة، تُعلي من مكانة الشأن العام، وتُحيطه بكل المؤسسات والضمانات التي تجعله أولوية وطنية سامية، وتسهر على حماية ممارسته واحترامها بشرف الأخلاق، وسلطان القانون، وقوة المؤسسات، وفي صدارتها حكم القضاء وأحكامه.
malkimhammed@gmail.com