قال هشام الموساوي، المحلل الاقتصادي والأستاذ الجامعي بجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، إن مشروع القانون المالي لسنة 2015 محاسباتي فقط، لأنه تمت بلورته تحت ضغط صندوق النقد الدولي، مبدئيا، في حوار مع «أخبار اليوم»، تحفظه على إمكانية تحقيق الأهداف التي سطرتها الحكومة، «لأن عدة عوامل لا تلعب لصالح الحكومة، خصوصا ما يتعلق بالانتعاش الهش للاقتصاد العالمي وتباطؤ النمو».
{ ما هي قراءتك لمشروع القانون المالي 2015؟
< يظهر من خلال الافتراضات التي استندت عليها الحكومة في مشروع قانون المالية2015 أن هناك بعض الإفراط في التفاؤل، مع الابتعاد عن الواقعية، مما يجعل هذا القانون المالي، من وجهة نظري، غير مقنع، سواء ما يتعلق بالفرضيات المستخدمة لوضع هذا المشروع، أو محتوى التدابير لتحقيق الأهداف المحددة. إنه مشروع قانون محاسباتي، لأنه تمت صياغته تحت ضغط من صندوق النقد الدولي، في مقابل تمديد خط الوقاية والسيولة بقيمة5 مليار دولار خلال الصيف المنصرم. فبالرغم من تصريحات حكومة بنكيران، لتحقيق النمو الشامل والتشغيل والتوازن الاجتماعي، إلا أن هذه الأهداف لم تكن من أولوياتها في هذا المشروع.
{ لماذا هذا التشاؤم، مع أن الحكومة تتوقع نسبة نمو 4.4 في المائة خلال السنة المقبلة؟
< في الواقع، في عام 2013، ومع محصول فلاحي استثنائي فاق 97 مليون قنطار، لم تتعد نسبة النمو 4.4 في المائة، فكيف يمكن أن نتوقع، مع افتراض الحكومة لمحصول متوسط في عام 2015 لا يفوق 70 مليون قنطار، تحقيق معدل النمو نفسه لعام 2013؟ ويمكن الرد على هذه المسألة بأن الحكومة تتوقع انتعاش الطلب الداخلي والخارجي، لكن عندما نلاحظ تدهورا في مؤشر ثقة الأسر، وخاصة مع نسبة البطالة التي تفوق 10 في المائة، والاتجاهات التضخمية مع ارتفاع تكاليف المعيشة، يمكن القول إن هناك تفاؤلا جد كبير في الاعتقاد بأن الطلب الداخلي، وخاصة استهلاك الأسر، سيتطور، وأن هذا المعطى سوف يخلق المعجزات. وبالمثل، وفي سياق الانتعاش الهش للاقتصاد العالمي وتباطؤ النمو، خاصة من طرف الشريك الاقتصادي الرئيسي لدى المغرب. كل ذلك لا يبشر بآفاق مشرقة لصادراتنا خارج مادة الفوسفاط ومشتقاته، وذلك مع الافتراض بأن صناعات السيارات والطيران عرفت زخما، فإن التوقعات بالنسبة إلى الصادرات التقليدية تبقى أكثر تشاؤما. أضف إلى ذلك أن صندوق النقد الدولي قام بتخفيض توقعاته بالنسبة إلى النمو في المنطقة خلال عام 2015 من1.5 في المائة إلى 1.3 في المائة، خاصة في البلدان الكبرى كفرنسا وإسبانيا وإيطاليا. بل لعله من المرجح أن الانتعاش سيعرف بعض التوقف في منطقة اليورو، مع تراجع الطلب. إلى جانب ذلك، وكما كان سابقا، فالحكومة تعول على انتعاش في الطلب الخارجي لكي يستمر النمو بالمعدل نفسه كما كان الحال في عام 2013. لكن نظرا إلى هشاشة عناصر الطلب الخارجي والمحلي، سيكون من المناسب عدم مجارات الحكومة في تفاؤلها، لأن الناتج المحلي الإجمالي غير الفلاحي، وفي انتظار الإصلاحات الهيكلية الرئيسية، لا يزال غير قوي بما يكفي للتعويض عن التقلبات في الناتج الداخلي الإجمالي الفلاحي. وحاليا يعتبر الطلب الداخلي محركا في زمن الأزمة، ولكنه لا يستطيع لوحده تحقيق معدل نمو يتجاوز 4 في المائة.
{ وماذا عن عجز الموازنة الذي تفترض الحكومة أنه لن يتعدى 4.3 في المائة خلال 2015؟
< بخصوص فرضية وزارة المالية والاقتصاد هذه، يبدو أن تحقيق ذلك يعتبر صعبا، كما لم تتحقق في 2014، أي الوصول إلى نسبة عجز لا تتعدى 4.9 في المائة على أساس معدل نمو 4 في المائة. فإذا كان احتمال الحكومة لنسبة نمو تقل عن 4 في المائة في عام 2015، كان الأمر سيكون أكثر منطقيا، وذلك بالنظر إلى استهداف عجز في الميزانية ما بين 5 إلى 5.5 في المائة، لأن مستوى النمو المتوقع في عام 2015 لا يستطيع تحقيق إيرادات كافية للحفاظ على تطور نفقات الخزينة العامة، وتقديم الدعم لاتفاق تجديد خط الوقاية والسيولة بقيمة5 مليار دولار المقدمة من صندوق النقد الدولي. بالإضافة إلى ذلك، يجب عدم نسيان أن هناك بعض العوامل الخارجية قد تغير الوضع، وخاصة فيما يتعلق بسوق النفط الذي لا يزال يخضع للتوترات الجيوسياسية. فمن الواضح أنه في ظل هذه الظروف، فإن تحقيق نمو متوسط والحفاظ على الإنفاق العمومي يعتبر صعبا، وسيتم بالتالي الزيادة في الاحتياجات التمويلية للاقتصاد المغربي مع نتيجة حتمية لاستخدام الدين العام الذي وصل بالفعل إلى مستوى ينذر بالخطر، أي 80 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي. أما عن البطالة، وبالنظر إلى عدم وضوح الرؤية بالنسبة إلى المشغلين وكذلك مشاكل السيولة التي يعانون منها، من المرجح أنه سيتم الحفاظ على معدل 9 في المائة، وفي أسوأ الحالات سوف يقارب 10 في المائة المسجلة حاليا. باختصار، نحن أمام مشروع متفائل جدا، ومن المؤكد أن الحكومة ستلجأ إلى قانون تصحيحي جديد بعد مدة من تنفيذه.
{ اعتمدت الحكومة في إخراج هذا المشروع على القانون التنظيمي القديم للمالية، ما تعليقك؟
< إذا كان الدستور الجديد يؤكد على النهج التشاركي في تطوير القوانين والسياسات المتعلقة بمستقبل البلاد، فمن الواضح أن حكومة بنكيران تسير وحدها في الطريق، ولا تأخذ في الاعتبار تظلمات أصحاب المصالح المختلفة، كما أن هذا المشروع المالي كان ينبغي أن يكون مؤطرا من قبل القانون التنظيمي الجديد للمالية، بما يتماشى مع الدستور الجديد، وتعزيز قدر أكبر من الشفافية والدقة والكفاءة في إدارة الأموال العمومية، الشيء الذي لم يكن ليتحقق بسبب التأخير في اعتماد القانون التنظيمي إلى غاية اليوم. أما بالنسبة إلى محتوى هذا المشروع، فالدستور الجديد يؤكد على محاربة اقتصاد الريع والفساد، ولكن القانون المالي لسنة 2015 لا توجد به استراتيجية واضحة وتدابير قابلة للتنفيذ لمكافحة هذه الآفات. خاصة وأن تكلفة هذه الأخيرة جد عالية، بالنظر إلى أن ذلك يفقد نقطتين في نسبة النمو، وبالتالي فقدان 60 إلى 70 ألف منصب شغل، وهو ما نحتاجه في هذا الوقت من الأزمة، فنحن بعيدون جدا عن هدف المساءلة، والتي هي ضرورية لمكونات الحكامة الرشيدة التي نص عليها الدستور الجديد.
{ إذن، أنت ترى بأن القوة الشرائية للمواطن ستتضرر في 2015؟
< من التفاؤل القول بأن مشروع القانون المالي لعام 2015 يخدم القوة الشرائية للأسر المغربية. أولا، لأن تطبيق تقارب معدلات الضريبة على القيمة المضافة وحصرهما في نسبتين (10 و 20 في المائة)، سوف يعاقب فقط، أصحاب الدخل المحدود من المغاربة، وخاصة ما يتعلق بالمواد الغذائية، مثل الشاي والأرز والدقيق والمعجنات التي ستشهد مضاعفة في معدل ضريبة القيمة المضافة من 10 إلى 20 في المائة، وغيرها من المنتجات، ناهيك عن الأداء بالأوطوروت. كما أن المحافظة على آلية المقايسة الجزئية، بدون تدابير تستهدف مواكبة الفقراء والطبقة المتوسطة التي تدفع السعر نفسه مثل الأغنياء، وكذا الرفع التدريجي لدعم وقود الديزل، سوف يرفع من تضخم تكاليف المعيشة. وبالنظر إلى تحديد ميزانية المقاصة في المشروع الجديد التي لن تتعدى 23 مليار درهم، فإن الرسالة واضحة، حيث سيستمر المغاربة في دفع الفارق من جيوبهم. وأخيرا، فإن عدم وجود إشارات ضريبية قوية لصالح الأسر المغربية، والتي ستواصل مواجهة العبء الضريبي الثقيل، سيعزز ذلك فقط، تدهور القوة الشرائية للأسر المغربية. وهذا يمكن أن يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية في البلاد، خاصة إذا أصبحت أسعار المواد الخام والنفط أكثر تكلفة من العام الجاري والمحصول الزراعي ليس في المستوى. فما وراء التوترات الاجتماعية، وانخفاض القوة الشرائية مخاطر تهدد حسابات حكومة بنكيران التي تعتمد على إنفاق الأسر لتحقيق النمو في عام 2015، وبما أن استهلاك الأسر هو المحرك الرئيسي للنمو في المغرب، فإن تراجعه يعني خلق ثروة أقل، وإيرادات للدولة أقل، ومزيدا من البطالة، على العكس تماما من الأهداف التي أعلنتها حكومة بنكيران.