ارجع يا زمن !

04/11/2014 - 22:57
ارجع يا زمن !

ـ لَيْلَى

أزعجها صوت من يُنَادي باسمها الشخصي، استدارت نحوه غاضبة فَلَفَحَتْهَا نَسَماتُ عِطْرٍ تَعْرِفُه جَيِّدًا، وبدون اسْتِئْذَانٍ فتح المشهد أمامها نافذة على زمن غَابر: كان عودا رفيعا مُلْتَهِبًا، ببراءةٍ خَجُولة تُنيبُ عنها دُموع المآقي وحُرُوفَ الرسائل، وامتد تَحتَ رِجليها الشارع الظليل، وخرير الموج وهو يرثي قُصور الآمال الذَّائبة فوق الرِّمال، وندّ عنْهُما قَسَمُ ينشد للهوى عُمْرًا مديداً.

انتشلها من غَفْوتها فارتعش الرأس كمن تصحو. 

وقال:

ـ أزْعَجَكِ النِداء..أعتَذِر !

ـ لا يا أحمد.. !

هي أيضا تناديه باسمه، بالنَبْرَة الماضية نفسها. لم تخدش أنياب الزمن الكاسر هذا الكائن الجميل، يوم كانت خطواتها الواثقة تَعْبَثُ بفُؤاده كجواد جامح، يوم وضعهما القدر على أولى الخُطى، كانت أَكْبَر من طموحها، ولم يكن وَاقِعهُ مُسْعِفًا، فافترقا وَسَطَ الطريق.

ـ لي غَرَضٌ هُنَا، قرأتْ الاسم على باب المكتب، ثم شاهدتُك تخرجين !

ـ هَلْ أُساعدك في شيء !

وانغمسَا في حَديث لا ينتهي: مات أعز الناس، وجاء الأولاد، ونزلت ستائر النسيان. لن نَلُومَ سوى الزَّمنَ مَهْما كَانَتِ الأخطاء !

وفي لحظةٍ مَا، ظَنَّا مَعًا أنهما يَتَحدّثَان كما اعتادا:

ـ مَرَّ الوقت سريعا، سيسأل عني الأهل.

ـ لازال الوقت بَاكِرًا، دقائق ونمشي !

ـ لا، المنزل بعِيدٌ، والظلام يكاد يَلُفُّ المكان !

يا لسُوءِ الحظ، في الوقت مُتَسَّعٌ للحديث، ولم تَعُد أمانِي الأمس غَيْبًا مُسْتَفْهَمًا، ولا أمَل في ما يُمْكِن أن يُقال !

قالت مودعة:

ينْتَظرُنِي المُرْتَفِقُون

ردَّ: مَازَالَ عِنْدِي إجراء بسيط هنا.

صافحها وابتعد. خارج المرفق، فَتَشَّ عن شريط مُعَيَّن. أدار محرك السيارة على صوت أم كلثوم وهي تَشُذو:

وَعَايزْنَا نَرْجَعْ زَيّ زمَانْ

قُلْ للزَّمَانْ ارْجَعْ يَا زمَانْ

رَدَّد مَعَها في شِبه رجاء: ارْجَعْ يا زَمانْ !

ثُمَّ اخْتَفَى !!

Fmjc.maroc@gmail.com

رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين

شارك المقال