كنت أتوقع تلك الخلاصة التي أفضت إليها دراسة المندوبية السامية للتخطيط حول كيفية توظيف المغربي لزمنه اليومي، كما يتوقع المرء طعنة ما. هي لم تفاجئني فعلا إلا أنها آلمتني مثل أية طعنة: المغربي لا يخصص سوى دقيقتين اثنتين للقراءة من الـ1440 دقيقة التي تشكل النسيج الزمني ليومه!
أجل، المغربي لا يخصص سوى هذين الدقيقتين اليتيمتين للقراءة التي يعتبرها مارسيل بروست، وهو أحد أكبر المبدعين الذين عرفهم التاريخ الفرنسي، «عتبة الحياة الروحية»، ويرى أن هذا النشاط هو الكفيل بإدخالنا إلى رحاب هذه الحياة.
وهو النشاط الذي يساهم في تحويل المرء من كائن خاضع للجماعة إلى فرد فاعل فيها.. من كائن محدود الأفق إلى فرد منفتح على سماوات لا نهاية لها.. من كائن لا يقبل سوى الأحكام المطلقة إلى فرد يعرف كيف يدرب النفس والعقل على جعل الحقائق والمواقف نسبية.. من كائن يخاف المجهول إلى فرد يحاول سبر أغواره.
ولست هنا أكشف جديدا إن قلت إن أوروبا لم تشرع في السير حقا على محجة الحداثة سوى بعد أن تمكن يوهانس غوتنبرغ من تحويل معصرة للكروم إلى مطبعة ساهمت في توسيع رقعة القراءة، وبالتالي انتشار المعرفة ووصولها إلى شرائح واسعة من سكان القارة العجوز بعد أن كانت مقتصرة على رجال الدين وقلة قليلة من المحظوظين.
لا شك أن هذا الحيز لن يكفي لبسط الأسباب التي لم نتوقف عن لوكها منذ عقود لتفسير هذا الجفاء المستحكم بين المغربي والقراءة، رغم أنها لا تبدو في العمق مقنعة كثيرا إذا ما نظر إليها المرء عن قرب (التربية، المدرسة، السياسة الثقافية، الأحوال الاقتصادية وغيرها وغيرها…).
في تقديري، هذا الجفاء يكنه الكائن المغربي لنوع من الكتب، ونوع من القراءة. فهناك قطاع كامل من النشر يبدو منفلتا من المتابعة والرصد ويصل إلى المغربي عبر مسار توزيع آخر لا يخضع لأية مراقبة. فعدد مهم من المغاربة يقتنون الآلاف من تلك الكتيبات الصغيرة التي تتحدث بشكل قطعي عن «كيف يؤدب المرء زوجته»، و»كيف هن حور العين في الجنة»، و»أهوال جنهم» وغيرها.. وكلها كتيبات تغلق أفق القارئ بدل أن تساهم في توسيعه.. كلها تدفع قارئها (إن لم يكن محترسا) إلى قبول كل ما يصله على أنه حقائق مطلقة وقطعية الدلالة، بدل أن تربي فيه ملكة التساؤل والنقد والتشكك والتمحيص. باختصار كلها كتب تمهد الطريق للفكر الـ»داعشي» المتطرف.
وهناك فئة أخرى من المغاربة لا يحسون بكل بساطة بأن ما ينشر من كتب ودوريات، وصحف ومجلات يخاطبهم. ويجدون ضالتهم في وسائل أخرى. إنهم قراء جدد لا يلتفتون إلى تلك الكتب ولا يعيرون اهتماما إلى كل تلك القضايا التي تعتبرها المؤسسة الثقافية معيارا للقراءة و»الثقافة». ولعلهم يشبعون نهمهم المعرفي، من خلال النهل من الشبكات الاجتماعية المختلفة والمواقع الإلكترونية التي لا تعد ولا تحصى. إنهم يخطون خطوات داخل «حياتهم الروحية» بوسائل أخرى تدفع المرء إلى التساؤل حقا إن كانت القراءة، وهي نشاط أساسي ولا محيد عنه، مرتبطة فقط، بالكتاب كما عرفته البشرية طيلة قرون، أم أنها يمكن أن تتم بطرق أخرى؟