من فراش الموت، ظل الكاتب والمفكر عبد الوهاب مدب يتابع تطورات الانتخابات التونسية التي جرت نهاية الأسبوع الماضي. في واقع الأمر، نزل الراحل عبد الوهاب مدب، الذي فارق الحياة، أول أمس، عن سن تناهز 68 عاما بعد صراع لم يدم طويلا مع السرطان، بكل ثقله من أجل أن يفوز حزب نداء تونس، بقيادة باجي قايد السبسي، في الانتخابات التشريعية التونسية الأخيرة، رغم أن ذلك جرّ عليه غضب أقصى اليسار بزعامة المنصف المرزوقي وأقصى اليمين بقيادة راشد الغنوشي.
في هذا السياق، يمكن اعتبار ندائه إلى التصويت على حزب «نداء تونس» بمنزلة بيانه السياسي الأخير. إذ يقول في ندائه «أصوّت»، الذي أصدره يوم 5 أكتوبر الماضي، ما يلي: «سأصوت على نداء تونس في الانتخابات التشريعية، وعلى باجي قايد السبسي في الرئاسيات، خارج كل الاعتبارات الأخرى… أصوت لهما لأنهما الحزب الوحيد والشخصية الوحيدة اللذان يملكان الوسائل لاستعادة توازن المشهد السياسي حتى يكون منسجما مع علاقات القوة التي تقسم مجتمعنا.»
بهذا النداء، عبّر عبد الوهاب مدب عن انخراطه الملتزم في قضايا بلاده ومجتمعه. في الواقع، هكذا كان دائما.. باحثا عن الحقيقة، خاصة حقيقة الثقافة الإسلامية كما يراها هو، وراغبا في أن يكون جسرا لها إلى الآخرين. وموته ترك فراغا قاتلا في حلم انكباب الإسلام على ذاته وعودته إلى نفسه بغية البحث عن مناطق السلم والتسامح والانفتاح والتجدد في ذاته.
برنامجه الثقافي «ثقافات الإسلام»، الذي انتظم بثه منذ سنة 1997 إلى غاية آخر حلقاته البارحة فقط، ظل يمثل نموذجا للانفتاح الفكري والثقافي، رافضا لكل ديماغوجية. إذ ساهم من خلاله الراحل طوال أكثر من عقد ونصف، في تسليط الضوء على كبار المفكرين والشعراء المتصوفين العرب والفرس، أساتذة البارحة وكتاب اليوم، مع تركيز دقيق ومقصود لإبراز نواحي التجديد والحداثة والعلمانية لدى هؤلاء الأقطاب.
يرى عبد الوهاب مدب، على سبيل المثال لا الحصر، أن القرآن مصدره الإنجيل، لكنه يعتبر أنه يصحح انحرافات الرسالتين اليهودية والمسيحية. بل يذهب أحيانا إلى القول إن الإسلام ليس سوى توسيع كوني للرسالة اليهودية الأولى. في حين، يشبه ظاهرة التشدد الديني، التي اجتاحت العالم الإسلامي منذ سنوات، بالنازية الألمانية التي كادت تدمر العالم خلال الأربعينيات. بيد أنه يطرح قراءة التاريخ، لأنه يقدم الحقيقة في كل تعقيداتها المربكة، ولأنه يدفع نحو الحاجة إلى كسر الأساطير المؤسسة، سواء لدى المسلمين أو المسيحيين أو اليهود… وهو هنا يعبر عن قناعته أن المدرسة والإعلام قادران على لعب دور حاسم في تغيير السلوكات والأفكار.
قبل سنة 2001، لم يكن عبد الوهاب مدب مقتنعا بجدوى النقاشات الفكرية حول الإسلام وعلاقاته بالآخر، سواء أكان هذا الآخر غربيا أو أقلية داخل العالم الإسلامي نفسه. لقد كان شغوفا بالرواية والشعر قبل هذا التاريخ. لكن تفجيرات نيويورك وواشنطن يوم 11 شتنبر هي التي غيرت مساره ودفعته إلى النزول صوب ساحة الجدل والسجال الفكريين. في هذا السياق، فهو يقول في مقدمة كتابه «مرض الإسلام»: «إذا كان التعصب، بحسب فولتير، هو مرض الكاثوليكية، والنازية مرض ألمانيا، فإن التشدد هو مرض الإسلام». في هذا الكتاب، كانت دعوة مدب الموجهة إلى المسلمين واضحة وصريحة: «اكنسوا بوابات بيوتكم». والدعوة هنا تخص التطهر من التعصب والتشدد والغلو. وعلى امتداد السنوات الموالية، لم يكف عن ترديد هذه الدعوة. ومع ذلك، فهو لا يستثني نفسه من هذا المرض، حيث كان يقول: «أحمل في ذاتي مرض الإسلام». وفي المقابل، كان مبدؤه هو الاحتجاج: «أحتج بصفتي مسلما ضد هذه الفظاعات التي تُرتكب باسمنا»، والتي تمنعنا من «نقل عجائب الإسلام».
ولمحاربة التعصب والقراءة الحرفية للإسلام، وللنضال من أجل فصل السياسي عن الديني، اقترح عبد الوهاب مدب البحث في تقليد الصوفي لدى ابن عربي (1165- 1240) عن طرق إسلام منفتح على تعددية العوالم. إذ شكل هذه الفكر محور اهتمامه في كتابه «بورتريه شاعر متصوف»، وهو آخر أعماله التي ظهرت قبيل أسابيع ضمن منشورات بيلان الفرنسية.
في أعماله كلّها، كان عبد الوهاب مدب يعبر عن مواقف جريئة، رغم أن ذلك جرّ عليه عداوات من كل التيارات، لكنه أكسبه صداقات من العالمين الإسلامي والغربي، لعل أبرزها صداقة الفيلسوف جان لوك نانسي، والباحث في الإسلام كريستيان جامبي، ومؤرخ الفنون جان هوبير مارتان، وكاتب المقالات أوليفي مونغان، والباحث بنجامان ستورا، الذي قضى معه لحظات طويلة مساء الأربعاء الماضي، أي قبيل وفاته بساعات.