تَضمّن الخطاب الملكي، بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين للمسيرة الخضراء، رسائل قوية وواضحة، وذات مستويات مختلفة ومتكاملة. ولأن المناسبة شرط، كما يُقال، فقد دارت كلها حول القضية الوطنية، أي الوحدة الترابية، وما تواجهه من تحديات داخلية وجهوية ودولية. والواقع أن خطاب 6 نونبر 2014 الأخير، سار على نهج خطب ملكية سامية سابقة، من حيث دقة التشخيص، وعمق النقد، وصدق التحليل، واستراتيجية النظر إلى المستقبل، بل إنه كان أكثر الخطب صراحةً وصرامةً وإصراراً.
فلو أخذنا الخطب الملكية الثلاثة الأخيرة على سبيل المثال لا الحَصر ـ أي عيد العرش، وافتتاح الولاية التشريعية الرابعة، وخطاب ذكرى المسيرة الخضراء، والحال أن تواريخ مناسباتها لا تتجاوز الأربعة أشهر ـ للاحظنا أنها محكومة بلازمة مشتركة تتعلق بالوطن ومقدار حبّ أبنائه له، ودرجة سعيهم إلى احترام قدسيته على صعيد الممارسة. بيد أن خطاب يوم الخميس المنصرم جاء بجرعة أكبر، وصراحة أكثر حين ميّز، في سياق حديثه عن مسيرة النماء في أقاليمنا الجنوبية المسترجعة، بين من «يخدم الوطن بكل غيرة وصدق»، ومن «يريد وضع الوطن في خدمة مصالحه»، وهو ما أدى بالنتيجة إلى تكوّن ثقافة «الاسترزاق»، التي وسِمها الخطاب الملكي بنعوت قوية ودالّة، من قبيل الابتزاز، والمتاجرة، والانتهازية، و»وضع رجل مع الوطن وأخرى مع أعدائه».
ليس في الواقع أوضح وأدلّ من هذا التشخيص. فالانتساب إلى الوطن إما أن يكون كاملاً أو لا يكون، وليس بين الحدّين اختيار ثالث يجعل المرء مغربياً وعدواً لمغربيته في الآن معا. لذلك، حان الوقت، وربما تأخرنا في ذلك، للقطع مع نمط الثقافة الذي ميّز مسيرة الأعمار والنماء في أقاليمنا الجنوبية، هذا الذي شجّع على ترسّخ ثقافة الاسترزاق، وديمومتها، وصيرورتها ما يشبه «المذهب» و»الحق الثابت».
لقد أنصف الخطاب الملكي السواد الأعظم من سكان أقاليمنا الجنوبية، حين نعت تلك القلة من مروّجي ثقافة الاسترزاق بـ «الانتهازيين»، الذين «ليس لهم أي مكان بين المغاربة»، قبل أن يدعو «الأغلبية الصامتة، المؤمنة بوحدة الوطن، إلى الالتفاف حول قضية وحدتها الترابية، والانخراط في مشروع «الجهوية المتقدمة»، والنموذج التنموي الجديد الذي سيُشرع في إرساء أسسه في هذه الأقاليم المسترجعة من ربوع المغرب.
والواقع أن خيبة الأمل في مسار التنمية في أقاليمنا الصحراوية، والدعوة إلى ضرورة القطع معه، وصياغة نموذج بديل، يضمن التكافؤ بين الساكنة، ويحقق مستويات معقولة من العدالة الاجتماعية، غدا اقتناعاً مشتركاً، ومطلباً لا اختلاف حوله. فتقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي كان واضحاً، وجريئاً، وصادقاً حين أعلن، بما لا يدع مجالا للشك، عن فشل مسار التنمية في هذه الأقاليم، وعدم تحقيقها للنتائج المنتظرة منها، على الرغم من الكلفة الباهظة التي تحملتها أقاليم الشمال لعدة عقود، تضامناً مع نظيراتها في الجنوب. وقد أوضح المجلس في متن تقريره طبيعة الاختلالات التي أعاقت مسيرة التنمية في هذه الربوع من المملكة، كما بَيَّن نوعية المفارقات التي غذّت مناخ عدم الإقلاع الاقتصادي في هذه الأقاليم. وللقارئ أن يعود لهذا التقرير المهم، في مبناه ومعناه، ليلمس حقيقة الإهدار الذي تكبدته كلفة التنمية على مدار ما يقارب أربعة عقود.
تكمن استراتيجية الخطاب الملكي ليوم الخميس الماضي في كونه لم يقف عند حدّ التشخيص، والنقد، ومخاطبة من يهمهم الأمر بلغة الحقيقة، والمسؤولية، والحزم فحسب، بل رسم، بإرادة وتفاؤل كبيرين، ما يُطلب فعلُه في المستقبل القريب، وما يجب عدم التواني في القيام به، والإقدام عليه، بإصرار واقتدار، أي «الجهوية المتقدمة»، و»النموذج التنموي الجديد» لأقاليمنا الجنوبية. أما مفتاح بناء المستقبل للقطع مع الماضي فهو ترسيخ ثقافة الحكامة الجيدة وقيمها في الإنسان والمؤسسة، أي الكفاءات والموارد البشرية، التي ستقود ديناميكية البناء الجديد، والأجهزة التي ستشكل الإطار القانوني والمؤسساتي لاحتضان عملية النماء الجديد. ولأن الحكامة الجيدة ثقافة وقيم، قبل أن تكون قانوناً أو قراراً، فهي تحتاج إلى متطلبات ولوازم من طبيعة ذهنية وثقافية، لعل أبرزها الإرادة الصادقة، وهو ما عبر عنه الخطاب الملكي بوضوح.. إننا نحتاج إلى انطلاقة حقيقية، غير مترددة، وشجاعة، لترجمة منظومة القيم التي تواترت الخطب الملكية على الدعوة إليها دون كلل، كما نحتاج إلى نخب سياسية واعية، ومشبعة حقاً بتاريخية هذه القيم في تقوية كفاءة المغرب وقدرته على الانتقال التدريجي والثابت نحو الأفضل.