من بوزنيقة إلى مولاي يعقوب

10/11/2014 - 19:53
من بوزنيقة  إلى مولاي يعقوب

  في التاريخ القصير للظاهرة الانتخابية المغربية، تظل دائرة «بوزنيقة» حالة خاصة من حيث توالي الانتخابات الجزئية، وكثافة الأحداث والوقائع السياسية المُواكبة لها، والتي طالما استقطبت الرأي العام، مُصبغة على هذه الدائرة طابعا رمزيا، كبؤرة للدفاع عن الإرادة الشعبية، ولانخراط النّاخبين في معركة النزاهة، ضمن سياق مطبوعٍ بلجوء السلطة المتواتر إلى التحكم والتزوير في النتائج.

خلال هذه الولاية التشريعية التاسعة، وبلا منازع، فإن الدائرة /المُختبر، انتقلت من بوزنيقة إلى مولاي يعقوب؛ حيث ستُعاد بها، قريباً، الانتخابات التشريعية للمرة الرابعة، حيث استأنس المتتبعون، بما أصبح يُجسده التنافس الانتخابي في هذه الدائرة، خاصة في إطار التقاطب السياسيٍ الحاد بين الاستقلال والعدالة والتنمية، الذي يجعل هذه الاقتراعات الجزئية المتوالية تنتقل، في كثير من اللحظات، من البعد المحلي لتأخذ صيغة معركة سياسية وطنية، ثنائية، بطابعٍ مفتوح، وشرس، ومُشخصن على مستوى القيادات.

بعد استحقاق2011، سيتوصل المجلس الدستوري بأكثر من طعنٍ في نتائج الانتخابات التشريعية بتلك الدائرة المُتوفرة على مقعدينِ، وعليه سيُصدر قراراً في 15 نونبر 2012، يقضي بموجبه إلغاء انتخاب أحد الفائزَيْنِ بعضوية مجلس النواب، والذي ترشح باسم الحركة الشعبية، بسبب قيام هذا الأخير بمناورة تدليسية أثناء الحملة الانتخابية ترمي إلى استمالة الناخبين للتصويت لفائدته، تمثلت في تسليمه لمجموعة من أعضاء أحد المجالس الجماعية بهذه الدائرة مبالغ مالية من أجل توزيعها على الناخبين قصد التصويت لفائدته.

الانتخابات الجزئية الأولى، ستجري في 28 فبراير 2013، وستعرف فوز مرشح العدالة والتنمية بالمقعد المتبارى حوله، لكن سرعان ما سيصدر المجلس الدستوري بتاريخ 2 يوليوز 2013، قراراً بإلغاء انتخابه بسبب مشاركة وفد أجنبي (فلسطيني) في حملته الانتخابية.

الانتخابات الجزئية الثانية، ستجري في 3 أكتوبر2013، وستعرف فوز مرشح حزب الاستقلال، لكن وبتاريخ 16 فبراير 2014، سيعتبر المجلس الدستوري أن استعمال عبارات التحقير خلال الحملة الانتخابية سلوك يجافي مهمة «تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية»، التي أناطها الدستور بالأحزاب السياسية، كما يُنافي مقتضيات المادة 118 من القانون رقم 11-57، التي توجب ألا تتضمن برامج الفترة الانتخابية والبرامج المعدة للحملة الانتخابية بأي شكل من الأشكال مواد من شأنها «المس بالكرامة الإنسانية أو الحياة الخاصة أو باحترام الغير»، وهذا ما لم يتم احترامه في مهرجان خطابي، ألقيت خلاله كلمات تضمنت عبارات السب والقذف والاستهزاء في حق مرشح العدالة والتنمية، وفي حق الأمين العام لحزبه. وعليه، سيقرر المجلس الدستوري إلغاء نتائج هذا الاقتراع.

الانتخابات الجزئية الثالثة، ستجري في 24 أبريل 2014، وستعرف فوز مُرشح حزب الاستقلال نفسه، غير أن المجلس الدستوري ومن جديد، سيقرر إلغاء نتائج هذا الاقتراع، في قراره الصادر في 30 أكتوبر 2014، والسبب هذه المرة يتعلق بتعدد وتكرر مُخالفات تتعلق باستعمال الرموز الوطنية، وبالظهور بشكل واضح داخل المقرات الرسمية، سواء أكانت محلية أو جهوية أو وطنية؛ في المنشورات الانتخابية للفائز بالمقعد، وهي المخالفات التي اعتبرها المجلس الدستوري تُنافي القانون وتخل بمبدأي المساواة وتكافؤ الفرص بين المترشحين؛ ومن شأنها التأثير على النّاخبين.

في غضون أسابيع سيُدعى إذن ناخبو دائرة مولاي يعقوب، من جديد للمشاركة في انتخابات جزئية رابعة، وهو ما معناه أنهم سيلجون مكاتب التصويت للمرة الخامسة في أقل من أربعِ سنوات.

لا نعرف من سيفوز بهذا الاقتراع؟ ولا كم من الوقت سيحتفظ بمقعده؟ في دائرةٍ تشكل اليوم، مختبرا صغيرا للواقع الانتخابي المغربي.

وطبعاً لا نعرف، ماذا سيُستعمل غدا في الحملة الانتخابية، داخل دائرة استعمِل فيها المال والتدليس والاعترافات بالدين والشيكات، واستعمِلت فيها فرقة فنية فلسطينية مُقربة من حماس، ثم استعمِلت فيها عبارات «مغربية» في التّحقير والحط من الكرامة، وصولا إلى استعمال الرموز الوطنية!

كل ما نعرفه أن وسائل الإعلام والصحافة والمحللُين السّذج، سيُجمعون -بشيء كبيرٍ من التهويل- على أننا أمام موقِعة انتخابية حاسمة!، وأن الباحثين سيستفيضون في شرح وتحليل حُجج المجلس الدستوري، خاصة منها تلك الاجتهادات غير المسبوقة مثل حالة الاستناد على طبيعة الخطاب الانتخابي، كل هذا دون أن نُفكر في المواطنين الطيبين الذين أنهكتهُم الدّعوة المُتكررة لانتخابات سرعان ما تُلغى في «الرباط»!

شارك المقال