حضرتني هذه الأيام صورة «الشيلي»، ليس ذلك البلد البعيد، بل ذلك الفضاء الواسع، المرتجل بحديقة «لارميطاج»، الذي تحول إلى ملعب لكرة القدم كان مصدر اعتزاز لكل من استطاع اللعب فيه من أبناء منطقة درب السلطان بالدار البيضاء. كان هذا الملعب مفتوحا أمام الجميع، والسور الحجري المتواضع الذي كان يحيط بجانب منه لم يكن قط، جدارا يفصله ويعزله عن بقية الحديقة المترامية ولا عن أشجارها السخية والمتنوعة من نخل بسعفه المهيب وأوكاليبتوس بجذوعه الفضية ورائحة أوراقه النفاذة. بل كان فقط، حدودا تضبط مجاله وتزيد من هيبة قانون غير مكتوب كان ينص على أن تراب هذا الملعب لا يسقيه سوى عرق «الكويرية» الذين يبرهنون حقا على علو كعوبهم. لذلك لم نكن، ونحن في بداية مراهقتنا، نجرأ على اللعب فيه حتى لما يكون فارغا، وانتظرنا إلى أن أحسسنا أننا جديرون فعلا به.
طفت إلى سطح الذاكرة صورة ذلك السور وأنا أتابع قبل أيام احتفالات العالم بمرور 25 سنة على سقوط جدار برلين، ربما لأنه هو الآخر تعرض للهدم. ولكن سور «الشيلي» كان حدودا تضبط مجالا واضحا، وبغيابه غاب ذلك الفضاء الذي لا يسمع به أحد ربما خارج البيضاء ولكنه كان بالنسبة إلى أبناء هذه المنطقة البيضاوية يكتسي قيمة كبيرة. أما جدار برلين فغيابه كشف عن جدران عديدة بعضها مرئي وملموس، وكثيرها غير مرئي، ولكنه يظل ملموسا.
فهناك جدار الفصل العنصري الملموس كما هو الشأن في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهناك الجدران المقامة على حدود سبتة ومليلية المحتلتين، وتلك المقامة على الحدود الأمريكية مع المكسيك، والتي تحاول عبثا منع فقراء الجنوب من الوصول إلى الشمال. وهذه تبقى أقل خطورة من تلك الجدران غير المرئية التي يبنيها التطرف الديني، وانعدام تكافؤ (في التعليم مثلا بين المدرسة عمومية ضعيفة ومدرسة خاصة محظوظة)… إلخ
لا شك أن انهيار هذا الجدار كانت له حسنات لا تنكر، أهمها تحرير سكان ألمانيا الشرقية، وكل أوروبا الشرقية كلها، من أنظمتها الشمولية، فهذا الجدار كان مختلفا، ففي الوقت الذي كان الجدران تشيد للحماية من خطر خارجي، فإن جدار برلين أُقيم لمنع سكان المدينة من الخروج منها !
ولكنه في المقابل تسبب في لبس كبير كانت نتيجته انتفاء أي تمييز بين الجدران والحدود، وهذا الأمر خلق وَهْمًا لدى الكثيرين مفاده أن الإنسانية ستكون بخير بدون حدود مرئية ملموسة. والواقع أن الحدود الواضحة «هي اللقاح المضاد للجدران»، حسب تعبير المفكر الفرنسي رجيس دوبري في كتابه «مدح الحدود».
فالجدران فصل تام بين مجالين، والحدود نقطة لقاء بينهما.. الجدران إقصاء وإلغاء للآخر، أما الحدود المضبوطة فقناة للتواصل.. الجدران تحب الفكر الواحد المنغلق، والحدود تقبل الاختلاف.. الجدران تلهب الكراهية والحقد، والحدود المضبوطة تُذكي التسامح وقبول الآخر. باختصار، وكما قال رجيس دوربي: «الجدران تمنع، أما الحدود فتنظم». وإقامة حدود واضحة ومنظمة كفيلة بإسقاط الكثير من الجدران.