خلفيات التشكيك في العلم والنشيد الوطني

20/11/2014 - 01:22

ارتفعت بعض الأصوات المريضة، المتخصصة في التغريد خارج سرب المغاربة، والسباحة ضد تيار الوطن، بإثارة الفتن، وإذكاء النعرات، والتنقيب عن جروح الماضي، واستهداف الثوابت الوطنية، وضرب القواسم المشتركة بين المغاربة، ارتفعت – هذه الأيام – للنيل من رمز من رموز الوحدة الوطنية، والهوية المغربية: العلم والنشيد الوطني، زاعمة أن « واضع العلم وملحن النشيد الوطني هو رمز الحقبة الاستعمارية الجنرال اليوطي ». ما خلفيات هذا الكلام المستفز والخطير؟ وفي أي سياق يندرج؟ وما دلالات توقيت إثارته؟.
للوقوف على أبعاد ودلالات هذا الزعم، ولوضعه في سياقه، نحتاج إلى أن نسلط عليه بعض الأضواء، من خلال النقاط الآتية:
أولا: لو كان صاحب هذا الكلام مؤرخا أو باحثا في التاريخ، لصدقنا أن الأمر لا يعدو أن يكون بحثا في التاريخ، وولعا بالوقائع والأحداث، وجريا وراء الحقائق والتفاصيل. ولو كان صاحب هذا الزعم مجرد مثقف أو باحث عادي، لقلنا: إن رائده الفضول العلمي، والترف الفكري، وحب المعرفة والاطلاع. لو كان صاحبنا أحد هذين، لطالبناه بالإتيان بالدليل التاريخي على صحة زعمه، وبإقامة الحجة العلمية على إثبات دعواه، عملا بالقاعدة العلمية: « البينة على المدعي ». أما وأن القائل يتنفس الإيديولوجيا، ويدين بالقومية، ويمارس السياسة غير المعلنة، ويدعو إلى العرقية والعصبية، ولو تحت أقنعة « التعدد » و »التنوع » و »الحقوق اللغوية والثقافية »، وغيرها من مفردات الحق التي يراد بها الباطل، فإن من حقنا أن نشك في نواياه، وأن نسيء الظن بكلامه، وأن نخرجه من إطار العلم والتاريخ، لنضعه في إطار السياسة والإيديولوجيا لا أقل ولا أكثر.
ثانيا: ليست هذه أول مرة يلجأ فيها سيء الذكر هذا إلى التشكيك في ثوابت ورموز المغاربة، وإثارة الشبهات حولها، لقد سبق له وأن استهدف ما هو أقدس عند المغاربة من العلم والنشيد، سبق له أن أساء إلى القرآن، متهما إياه بتضمن آيات تدعو إلى العنف، ومنكرا أن يكون كتابا معجزا، وسبق له أن تطاول على مقام المصطفى عليه الصلاة، متهما رسائله إلى ملوك زمانه بكونها « رسائل إرهابية »، إلى جانب سيل من الزوابع والقلاقل التي يصر على إثارتها من حين لآخر، وكأن لسان حاله يقول: لن أدع لكم شيئا مقدسا أبدا، وسأدوس كل مقدساتكم بأقدامي لأبحث لكم عما هو جدير بتقديسكم وتوقيركم.
ثالثا: أن هذا المسيء للعلم والنشيد الوطني، والمثير للشكوك والشبهات حولهما، هو نفسه من يروج لبعض الأعلام الفئوية، التي لا يعرف لها أصل ولا فصل، والتي وضعها بعض انفصاليي الجارة الشرقية، فيصفها ب » الأعلام الثقافية »، « ذات الألوان الزاهية »، « التي ترمز إلى الهوية (كذا وكذا) ».
رابعا: لو كان صاحبنا صادقا في ادعائه ونيته، فلم لم يذكر أشياء أكبر وأخطر كان الجنرال ليوطي والاستعمار من ورائها، مثل « الظهير البربري »، الذي كان محاولة استعمارية لسلخ شطر الأمة المغربية عن هويته الإسلامية، بتحكيمه للعادات والأعراف بدل الشريعة الإسلامية؟ ولم لم يتحدث عن « كوليج أزرو » الذي أنشأه الاستعمار عام 1924م، لاستقطاب أبناء أعيان جبال الأطلس، لتعليمهم اللغة الفرنسية والثقافة الغربية، دون اللغة العربية والثقافة الإسلامية؟. ولم لم يأت على ذكر « مركز الدراسات البربرية » الذي أنشأه الاستعمار بمكناس سنة 1916؟ ولم لم يذكر لنا شيئا عن دور الاستعمار في تأسيس « الأكاديمية البربرية » بباريس عام 1966، التي كان من أول ما قامت به « ترجمة الإنجيل إلى الأمازيغية »؟. لم لم يتذكر من أعمال ليوطي والاستعمار سوى وضع العلم وتلحين النشيد.
خامسا: أن العلم والنشيد الوطنيين ليسا سوى رمزين، يستمدان رمزيتهما ودلالتهما، من قوة ودلالة ما يرمزان إليه، وهو هنا: الأمة المغربية، والدولة المغربية، والهوية المغربية، والوحدة الوطنية، فهل يستطيع صاحبنا أن يشكك في هذه الحقائق أيضا؟.
واضح إذن من خلال النقاط السالفة، أن الأمر يتعلق بحلقة ماكرة أخرى من حلقات استهداف المشترك المغربي، والوحدة الوطنية التي يرمز إليها العلم الوطني، لفائدة أعلام وهويات فئوية لا تمثل كل المغاربة. غير أن عزاءنا في مثل هذه المحاولات البئيسة، وهذه الأفكار الانفصالية المسمومة، أنها لا تزيد المغاربة إلا إصرارا على حماية الوحدة الوطنية، والهوية المغربية، برموزها ومكوناتها، ولا تزيد أصحابها إلا خزيا وعارا وافتضاحا.

شارك المقال